المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٦
عند اللّه و لا تنفعه معرفته إذ خلت المعرفة عن الكراهة، و قد تحضر المعرفة و الكراهة و لكن مع ذلك يقبل داعي الرّياء و يعمل به لكون الكراهة ضعيفة بالإضافة إلى قوّة الشهوة، و هذا أيضا لا ينتفع بكراهته، إذ الغرض من الكراهة أن تصرف عن الفعل.
فإذن لا فائدة إلّا في اجتماع الثلاث و هي المعرفة و الكراهة و الإباء، فالاباء ثمرة الكراهة، و الكراهة ثمرة المعرفة، و قوّة المعرفة بحسب قوّة الإيمان و نور العلم، و ضعف المعرفة بحسب الغفلة و حبّ الدّنيا و نسيان الآخرة و قلّة التفكّر فيما عند اللّه و قلّة التأمّل في آفات الحياة الدّنيا و عظيم نعيم الآخرة و بعض ذلك ينتج بعضا و يثمره و أصل ذلك كلّه حبّ الدّنيا و غلبة الشهوة، و هو رأس كلّ خطيئة و منبع كلّ ذنب، لأنّ حلاوة حبّ الجاه و المنزلة و نعيم الدّنيا هي الّتي تغمر القلب و تميله و تحول بينه و بين التفكّر في العاقبة و الاستضاءة بنور الكتاب و السنّة و أنوار العلوم.
فإن قلت: فمن صادف من نفسه كراهة بالرّياء و حملته الكراهة على الإباء و لكنّه مع ذلك غير خال عن ميل الطبع إليه و حبّه له و منازعته إيّاه إلّا أنّه كاره لحبّه و لميله إليه و غير محبّب إليه، فهل يكون في زمرة المرائين؟.
فاعلم أنّ اللّه تعالى لم يكلّف العبد إلّا ما يطيق، و ليس في طاقة العبد منع الشيطان عن نزغاته و لا قمع الطمع حتّى لا يميل إلى الشهوات و لا ينزع إليها و إنّما غايته أن يقابل شهوته بكراهة استثارها من معرفة العواقب، و علم الدّين و أصول الإيمان باللّه و اليوم الآخر فإذا فعل ذلك فهو الغاية في أداء ما كلّف به و يدلّ على ذلك من الأخبار ما روي أنّ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم شكوا إليه و قالوا: تعرض لقلوبنا أشياء لأن نخرّ من السماء فتخطفنا الطير أو تهوي بنا الرّيح في مكان سحيق أحبّ إلينا من أن نتكلّم بها، فقال: أو قد وجدتموها؟ قالوا: نعم، قال: ذلك صريح الإيمان» [١] و لم يجدوا إلّا الوسواس و الكراهة له و لا يمكن أن يقال: أراد
[١] أخرجه مسلم ج ١ ص ٨٣ مختصرا من حديث ابن مسعود و رواه أحمد ج ٦ ص ١٠٦ أيضا من حديث عائشة. و رواه أبو يعلى و البزار و رجاله ثقات كما في مجمع الزوائد ج ١ ص ٣٤ و ٣٥.
المحجة