المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٤
و أمّا الدّواء العملي فهو أن يعوّد نفسه إخفاء العبادات و إغلاق الأبواب دونها كما تغلق الأبواب دون الفواحش حتّى يقنع قلبه بعلم اللّه و اطّلاعه على عبادته و لا تنازعه النفس إلى طلب علم غير اللّه به، و قد روي أنّ بعض أصحاب أبي حفص الحدّاد ذمّ الدّنيا و أهلها فقال له أبو حفص: أظهرت ما كان سبيلك أن تخفيه لا تجالسنا بعد هذا. فلم يرخّص في إظهار هذا القدر لأنّ في ضمن ذمّ الدّنيا بعض دعوى الزّهد فيها فلا دواء للرّياء مثل الإخفاء و ذلك يشقّ في بداية المجاهدة و إذا صبر عليه مدّة بالتكلّف سقط عنه ثقله، و هان عليه ذلك بتواصل ألطاف اللّه و ما يمدّ به عباده من حسن التوفيق و التأييد و لكن اللّه لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم، فمن العبد المجاهدة و من اللّه الهداية، و من العبد قرع الباب و من اللّه فتح الباب و اللّه لا يضيع أجر المحسنين فإن تك حسنة يضاعفها و يؤت من لدنه أجرا عظيما.
المقام الثاني في دفع العارض منه في أثناء العبادة
و ذلك لا بدّ من تعلّمه أيضا فإنّ من جاهد نفسه و قلع مغارس الرّياء من قلبه بالقناعة و قطع الطمع و أسقط نفسه من أعين المخلوقين و استحقر مدح المخلوقين و ذمّهم فالشيطان لا يتركه في أثناء العبادة بل يعارضه بخطرات الرّياء و لا تنقطع عنه نزغاته، و هوى النفس و ميلها لا ينمحي بالكلّيّة فلا بدّ و أن يتشمّر لدفع ما يعرض من خاطر الرّياء و خواطر الرّياء ثلاثة قد تخطر دفعة واحدة كالخاطر الواحد و قد ترادف على التّدريج فالأوّل العلم باطّلاع الخلق و رجاء اطّلاعهم، ثمّ يتلوه هيجان الرّغبة من النفس في حمدهم و حصول المنزلة عندهم، ثمّ يتلوه هيجان الرّغبة في قبول النفس له و الرّكون إليه و عقد الضمير على تحقيقه فالأوّل معرفة، و الثاني حالة تسمّى الشهوة و الرّغبة، و الثالث فعل يسمّى العزم و تصميم العقد، و إنّما كمال القوّة في دفع الخاطر الأوّل و ردّه قبل أن يتلوه الثاني، فإذا خطر له معرفة اطّلاع الخلق أو رجاء اطّلاعهم دفع ذلك بأن قال لنفسه: مالك و للخلق علموا أو لم يعلموا؟ و اللّه عالم بحالك، و أيّ فائدة في علم غيره، فإن هاجت الرّغبة إلى لذّة الحمد تذكّر ما رسخ في قلبه من قبل في آفة الرّياء و تعرّضه للمقت عند اللّه تعالى في القيامة و خيبته في أحوج أوقاته إلى أعماله
المحجة