المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٢
الشيء و يرغب فيه لظنّه أنّه خير له و نافع و لذيذ إمّا في الحال و إمّا في المآل، فإن علم أنّه لذيذ في الحال و لكنّه ضارّ في المآل سهل عليه قطع الرّغبة عنه كمن يعلم أنّ العسل لذيذ و لكن إذا بان له أنّ فيه سمّا أعرض عنه، فكذلك طريق قطع هذه الرّغبة أن يعلم ما فيها من المضرّة، و مهما عرف العبد مضرّة الرّياء و ما يفوته من صلاح قلبه و ما يحرم عنه في الحال من التوفيق و في الآخرة من المنزلة عند اللّه و ما يتعرّض له من العقاب العظيم و المقت الشديد و الخزي الظاهر حيث ينادى به على رءوس العباد: يا فاجر، يا غادر، يا مرائي أ ما استحييت إذا اشتريت بطاعة اللّه عرض الدّنيا، راقبت قلوب العباد و استهزأت بنظر اللّه تعالى، و تحبّبت إلى العباد بالتبغّض إلى اللّه، و تزيّنت لهم بالشين عند اللّه، و تقرّبت إليهم بالبعد من اللّه، و تحمّدت إليهم بالتذمّم عند اللّه، و طلبت رضاهم بالتعرّض لسخط اللّه، أما كان أحد أهون عليك من اللّه، فمهما تفكّر العبد في هذا الخزي و قابل ما يحصل له من العباد و التزيّن لهم في الدّنيا بما يفوته من الآخرة، و ما يحبط عليه من ثواب الأعمال مع أنّ العمل الواحد ربّما كان يترجّح به ميزان حسناته لو خلص فإذا فسد بالرّياء حوّل إلى كفّة السيّئات فترجّح به و يهوي إلى النّار، فلو لم يكن في الرّياء إلّا إحباط عبادة واحدة لكان ذلك كافياً في معرفة ضرره و إن كانت مع ذلك سائر حسناته راجحة فقد كان ينال بهذه الحسنة علوّ الرّتبة عند اللّه في زمرة النبيّين و الصدّيقين و قد حطّ عنهم بسبب الرّياء و ردّ إلى صفّ النعال من مراتب الأولياء هذا مع ما يتعرّض له في الدّنيا من تشتّت الهمّ بسبب ملاحظة قلوب الخلق، فإنّ رضا الناس غاية لا تدرك، فكلّ ما يرضى به فريق يسخط به فريق، و رضا بعضهم في سخط بعضهم، و من طلب رضاهم في سخط اللّه سخط اللّه عليه و أسخطهم أيضا عليه ثمّ أيّ غرض له في مدحهم و إيثار ذمّ اللّه لأجل حمدهم و لا يزيده حمدهم رزقا و لا أجلا، و لا ينفعه يوم فقره و فاقته، و هو يوم القيامة، و أمّا الطمع بما في أيديهم فبأن يعلم أنّ اللّه تعالى هو المسخّر للقلوب بالمنع و الإعطاء، و أنّ الخلق مضطرّون فيه و لا رازق إلّا اللّه و من طمع في الخلق لم يخل من الذّل و الخيبة، و إن وصل إلى المراد لم يخل عن المنّة و المهانة
المحجة