المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٠
من بادر بالصلاة في أوّل الوقت لحضور جماعة و لو خلا لأخّرها إلى وسط الوقت و لو لا الفرض لكان لا يبتدئ صلاة لأجل الرّياء فهذا ممّا يقطع بصحّة صلاته و سقوط الفرض به لأنّ باعث أصل الصلاة من حيث إنّها صلاة لم يعارضه غيره بل من حيث تعيين الوقت، فهذا أبعد عن القدح في النيّة، هذا في رياء يكون باعثا على العمل و حاملا عليه، فأمّا مجرّد السرور باطّلاع الناس عليه إذا لم يبلغ أثره إلى حيث يؤثّر في العمل فبعيد أن يفسد الصلاة فهذا ما نراه لايقا بقانون الفقه، و المسألة غامضة من حيث إنّ الفقهاء لم يتعرّضوا لها في فنّ الفقه، و الّذين خاضوا فيها و تصرّفوا لم يلاحظوا قوانين الفقه، و مقتضى فتاوي الفقهاء في صحّة الصلاة و فسادها، بل حملهم الحرص على تصفية القلوب و طلب الإخلاص على إفساد العبادات بأدنى الخواطر و ما ذكرناه هو الأقصد فيما نراه و العلم عند اللّه تعالى فيه.
(بيان دواء الرّياء و طريق معالجة القلب فيه)
لقد عرفت ممّا سبق أنّ الرّياء محبط للأعمال و سبب للمقت عند اللّه و أنّه من كبائر المهلكات، و ما هذا وصفه فجدير بالتشمير عن ساق الجدّ في إزالته و لو بالمجاهدة و تحمّل المشاقّ، فلا شفاء إلّا في شرب الأدوية المرّة البشعة، و هذه مجاهدة يضطرّ إليها العباد كلّهم، إذ الصبيّ يخلق ضعيف العقل و التمييز، ممتدّ العين إلى الخلق، كثير الطمع فيهم، فيرى الناس يتصنّع بعضهم لبعض فيغلب عليه حبّ التصنّع بالضرورة و يترسّخ ذلك في نفسه و إنّما يشعر بكون ذلك مهلكا بعد كمال عقله و قد انغرس الرّياء في قلبه و ترسّخ فيه، فلا يقدر على قمعه إلّا بمجاهدة شديدة و مكابدة لقوّة الشهوات، فلا ينفكّ أحد عن الحاجة إلى هذه المجاهدة و لكنّها تشقّ أوّلا و تخفّ آخرا و في علاجه مقامان: أحدهما قطع عروقه و أصوله الّتي منها انشعابه، و الثاني دفع ما يخطر منه في الحال.
المقام الأوّل في قطع عروقه و استئصال أصوله،
و أصوله: حبّ المنزلة و الجاه، و إذا فصّل رجع إلى ثلاثة أصول و هو حبّ لذّة المحمدة و الفرار من ألم المذمّة و الطمع لما في أيدي الناس، و يشهد للرّياء بهذه الأسباب و أنّها الباعثة للمرائي
المحجة