المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦١
أو يتصدّقون فيوافقهم خيفة أن ينسب إلى الكسل و يلحق بالعوام و لو خلا بنفسه لكان لا يفعل شيئا منه، و كالّذي يعطش في اليوم الّذي يصام فيه تطوّعا فلا يشرب خوفا من أن يعلم الناس أنّه غير صائم فإذا ظنّوا به الصوم امتنع عن الأكل لأجلهم أو يدعى إلى طعام فيمتنع ليظنّ أنّه صائم و قد لا يصرّح بأنّه صائم و لكن يقول: لي عذر، و هو جمع بين خبثين فإنّه يري أنّه صائم ثمّ يري أنّه مخلص ليس بمراء و إنّه يحترز من أن يذكر عبادته للنّاس فيكون مرائيا فيريد أن يقال: إنّه ساتر لعباداته، ثمّ إن اضطرّ إلى شرب لم يصبر عن أن يذكر لنفسه فيه عذرا تصريحا أو تعريضا بأن يتعلّل بمرض يقتضي فرط العطش و يمنع من الصوم أو يقول أفطرت تطييبا لقلب فلان ثمّ قد لا يذكر ذلك متّصلا بشربه كيلا يظنّ به أن يعتذر رياء و لكنّه يصبر، ثمّ يذكر عذره في معرض حكاية عرضا مثل أن يقول: إنّ فلانا محبّ للإخوان شديد الرّغبة في أن يأكل الإنسان من طعامه و قد ألحّ عليّ اليوم و لم أجد بدّا من تطييب قلبه، و مثل أن يقول: إنّ امّي ضعيفة القلب مشفقة عليّ تظنّ أنّي لو صمت يوما مرضت فلا تدعني أن أصوم، فهذا و ما يجري مجراه علامات الرّياء فلا تسبق إلى اللّسان إلّا لرسوخ عرق الرّياء في الباطن، و أمّا المخلص فإنّه لا يبالي كيف نظر الخلق إليه فإن لم يكن له رغبة في الصوم و قد علم اللّه ذلك منه فلا يريد أن يعتقد غيره فيه ما يخالف علم اللّه فيه فيكون ملبّسا، و إن كانت له رغبة في الصوم للَّه قنع بعلم اللّه و لم يشرك فيه غيره، و قد يخطر له أنّ في إظهاره اقتداء غيره به و تحريك رغبة الناس فيه، و فيه مكيدة و غرور و سيأتي شرح ذلك و شروطه فهذه درجات الرّياء و مراتب أصناف المرائين، و جميعهم تحت مقت اللّه و غضبه و هو من أشدّ المهلكات و إنّ من شدّته أنّ فيه شوائب هي أخفى من دبيب النملة كما ورد به الخبر [١]، يزلّ فيه فحول العلماء فضلا عن العبّاد الجهّال بآفات النفوس و غوائل القلوب.
[١] رواه البزار من حديث عائشة و الطبراني من حديث أبي موسى و ابن حبان في الضعفاء من حديث أبي بكر راجع المغني و مجمع الزوائد ج ١٠ ص ٢٢٣.
المحجة