المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٥٦
الدّرجة الرّابعة أن يكون اطّلاع الناس مرجّحا و مقوّيا لنشاطه
و لو لم يكن لكان لا يترك العبادة و لو كان قصد الرّياء وحده لما أقدم عليه و الّذي نظنّه- و العلم عند اللّه- أنّه لا يحبط أصل الثواب و لكنّه ينقص منه أو يعاقب على مقدار قصد الرّياء و يثاب على مقدار قصد الثواب، و أمّا قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يقول اللّه تعالى أنا أغنى الأغنياء عن الشرك» [١] فهو محمول على ما إذا تساوى القصدان أو كان قصد الرّياء أرجح.
الرّكن الثاني المراءى به و هو الطاعات
و ذلك ينقسم إلى الرّياء بأصول العبادات و إلى الرّياء بأوصافها.
القسم الأوّل و هو الأغلظ الرّياء بالاصول
و هو على ثلاث درجات:
الدّرجة الأولى الرّياء بأصل الإيمان
و هو أغلظ أبواب الرّياء و صاحبه مخلّد في النار و هو الّذي يظهر كلمتي الشّهادة و باطنه مشحون بالتّكذيب و لكنّه يرائي بظاهر الإسلام و هو الّذي ذكره اللّه تعالى في كتابه في مواضع شتّى كقوله: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ» [٢] أي في دلالتهم بقولهم على ضمائرهم.
و قال تعالى: «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ. وَ إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ- الآية-» [٣].
و قال تعالى: «وَ إِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ» [٤].
و قال تعالى: «يُراؤُنَ النَّاسَ وَ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا» [٥] و الآيات فيهم كثيرة و كان النفاق يكثر في ابتداء الإسلام ممّن يدخل في ظاهر الإسلام ابتداء لغرض و ذلك ممّا يقلّ في زماننا و لكن يكثر نفاق من ينسلّ من الدّين باطنا فيجحد الجنّة و النّار و الدّار الآخرة ميلا إلى قول الملحدة أو يعتقد طيّ بساط الشرع و
[١] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٤٢٠٥ و قد تقدم. و أخرجه أحمد و رجاله رجال الصحيح.
[٢] المنافقون: ٢.
[٣] البقرة: ٢٠١ و ٢٠٢.
[٤] آل عمران: ١١٦.
[٥] النساء: ١٤٢.
المحجة البيضاء، جلد٦، ص: ١٥٧
الأحكام ميلا إلى أهل الإباحة أو يعتقد كفرا أو بدعة و هو يظهر خلافه فهؤلاء من المنافقين و المرائين المخلّدين في النّار و ليس وراء هذا الرّياء رياء، و حال هؤلاء هو أشدّ من حال الكفّار المجاهرين لأنّهم جمعوا بين كفر الباطن و نفاق الظاهر.
الدّرجة الثانية الرّياء بأصول العبادات
مع التّصديق بأصل الدّين و هذا أيضا عظيم عند اللّه و لكنّه دون الأوّل بكثير، و مثاله أن يكون مال الرّجل في يد غيره فيأمره بإخراج الزّكاة خوفا من ذمّة و اللّه يعلم منه أنّه لو كان في يده لما أخرجها أو يدخل وقت الصلاة و هو في جمع فيصلّي معهم و عادته ترك الصلاة في الخلوة و كذلك يصوم رمضان و هو يشتهي خلوة من الخلق ليفطر و كذلك يحضر الجمعة و لو لا خوف المذمّة لكان لا يحضرها، أو يصل رحمه و يبرّ والديه لا عن رغبة في الثواب و لكن خوفا من الناس، أو يغزو أو يحجّ كذلك فهذا المرائي معه أصل الإيمان باللّه يعتقد أنّه لا معبود سواه و لو كلّف أن يعبد غير اللّه أو يسجد لغير اللّه لم يفعل و لكنّه يترك العبادات للكسل و ينشط عند اطّلاع الناس فتكون منزلته عند الخلق أحبّ إليه من منزلته عند الخالق و خوفه من مذمّة النّاس أعظم من خوفه من عقاب اللّه و رغبته في محمدتهم أشدّ من رغبته في ثواب اللّه و هذا غاية الجهل، و ما أجدر صاحبه بالمقت و إن كان غير منسلّ عن أصل الإيمان من حيث الاعتقاد.
الدّرجة الثالثة أن لا يرائي بالإيمان و لا بالفرائض
و لكنّه يرائي بالنوافل و السنن الّتي لو تركها لا يعصي و لكنّه يكسل عنها في الخلوة لفتور رغبته في ثوابها و لإيثار لذّة الكسل على ما يرجى من الثواب، ثمّ يبعثه الرّياء على فعله و ذلك كحضور الجماعة في الصّلاة و عيادة المريض و اتّباع الجنازة و غسل الميّت و كالتهجّد باللّيل و صيام يوم عرفة و نحو ذلك، فقد يفعل المرائي جملة ذلك خوفا من المذمّة أو طلبا للمحمدة، و يعلم اللّه تعالى أنّه لو خلا بنفسه لما زاد على أداء الفرائض، فهذا أيضا عظيم و لكنّه دون ما قبله فإنّ الّذي قبله آثر حمد الخلق على حمد الخالق، و هذا أيضا قد فعل ذلك و اتّقى ذمّ الخلق دون ذمّ الخالق فكأنّ ذمّ الخلق أعظم عنده من عقاب اللّه تعالى، و أمّا هذا فلم يفعل ذلك لأنّه لم يخف عقابا على ترك
المحجة