المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٥٣
عليه ما روي عن عائشة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أراد يوما أن يخرج على أصحابه به فكان ينظر في حبّ من الماء و يسوّي عمامته و شعره فقالت: أو تفعل ذلك يا رسول اللّه؟
فقال: نعم «إنّ اللّه يحبّ من العبد أن يتزيّن لإخوانه إذا خرج إليهم» [١]، نعم هذا كان من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عبادة لأنّه كان مأمورا بدعوة الخلق و ترغيبهم في الاتّباع و استمالة قلوبهم، و لو سقط من أعينهم لم يرغبوا في اتّباعه فكان يجب عليه أن يظهر لهم من محاسن أحواله لكيلا تزدريه أعينهم فإنّ أعين عوام الخلق تمتدّ إلى الظواهر دون السرائر فكان ذلك قصد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لكن لو قصد قاصد به أن يحسن نفسه في أعينهم حذرا من ذمّهم و لومهم و استرواحا إلى توقيرهم و احترامهم كان قد قصد أمرا مباحا إذ للإنسان أن يحترز من ألم المذمّة و يطلب راحة الانس بالإخوان و مهما استثقلوه و استقذروه لم يأنس بهم، فإذا المراءاة بما ليس من العبادات قد تكون مباحا و قد تكون طاعة و قد تكون مذمومة و ذلك بحسب الغرض المطلوب بها و لذلك نقول الرّجل إذا أنفق ماله على جماعة من الأغنياء لا في معرض العبادة و الصدقة و لكن ليعتقد الناس أنّه سخيّ فهذا مراءاة ليس بحرام و كذلك أمثاله.
أمّا العبادات كالصدقة و الصلاة و الغزو و الحجّ فللمرائي فيه حالتان إحداهما أن لا يكون له قصد إلّا الرّياء المحض دون الأجر و هذا يبطل عبادته لأنّ الأعمال بالنيّات و هذا ليس بقصد العبادة ثمّ لا يقتصر على إحباط عبادته حتّى نقول: صار كما كان قبل العبادة بل يعصي بذلك و يأثم لما دلّت عليه الأخبار و الآيات، و المعنيّ فيه أمران أحدهما يتعلّق بالعبادة و هو التلبيس و المكر لأنّه خيّل إليهم أنّه مخلص مطيع للَّه و أنّه من أهل الدّين و ليس كذلك، و التلبيس في أمر الدّنيا أيضا حرام حتى لو قضى دين جماعة و خيّل إلى الناس أنّه متبرّع عليهم ليعتقدوا سخاوته أثم بذلك لما فيه من التلبيس و تملّك القلوب بالخداع و المكر، و الثاني يتعلّق باللّه و هو أنّه مهما قصد بعبادة اللّه خلق اللّه فهو مستهزئ باللّه و لذلك قال قتادة: إذا رائي العبد قال اللّه تعالى لملائكته: انظروا إليه كيف يستهزئ بي. و مثاله أن تمثّل بين يدي
[١] قال العراقي: أخرجه ابن عدى في الكامل من حديث عائشة.
المحجة