المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٥١
يحضره ذكر اللّه حتّى يكون يجدّد الخشوع له بل هو لاطّلاع إنسان عليه يخشى أن لا يعتقد فيه أنّه من العبّاد و الصلحاء. و منهم من إذا سمع هذا استحيي من أن تخالف مشيته في الخلوة مشيته بمرأى من الناس فيكلّف نفسه المشية الحسنة في الخلوة حتّى إذا رآه الناس لم يفتقر إلى التغيير و يظنّ أنّه يتخلّص به عن الرّياء و قد تضاعف به رياؤه فإنّه صار في خلوته أيضا مرائيا فإنّه إنّما يحسن مشيته في الخلوة ليكون كذلك في الملإ لا لخوف من اللّه و حياء منه، و أمّا أهل الدّنيا فمراءاتهم بالتبختر و الاختيال و تحريك اليدين و تقريب الحظا و الأخذ بأطراف الذّيل و إدارة العطفين ليدلّوا بذلك على الجاه و الحشمة.
الخامس المراءاة بالأصحاب و الزائرين و المخالطين
كالّذي يتكلّف أن يستزير عالما من العلماء ليقال: إنّ فلانا قد زار فلانا، أو عابدا من العباد ليقال: إنّ أهل الدّين يتبرّكون بزيارته و يتردّدون إليه، أو ملكا من الملوك أو عاملا من عمّال السلطان ليقال: إنّهم يتبرّكون به لعظم رتبته في الدّين، و كالّذي يكثر ذكر الشيوخ ليري أنّه لقي شيوخا كثيرة و استفاد منهم، فيباهي بشيوخه و مباهاته و مراءاته تترشّح منه عند مخاصمته، فيقول لغيره: و من لقيت من الشيوخ؟ و أنا قد لقيت فلانا و فلانا و درت البلاد و خدمت الشيوخ، و ما يجري مجراه، فهذه مجامع ما يرائي به المراءون و كلّهم يطلبون به الجاه و المنزلة في قلوب العباد، و منهم من يقنع بحسن الاعتقادات فيه، فكم من راهب انزوى إلى ديره سنين كثيرة و كم من عابد اعتزل إلى قلّة جبل مدّة مديدة و إنّما خبأته من حيث علمه بقيام جاهه في قلوب الخلق و لو عرف أنّهم نسبوه إلى جريمة في ديره أو صومعته لتشوّش قلبه و لم يقنع بعلم اللّه ببراءة ساحته بل يشتدّ لذلك غمّه و يسعى بكلّ حيلة في إزالة ذلك من قلوبهم مع أنّه قطع طمعه من أموالهم و لكنّه يحبّ مجرّد الجاه فإنّه لذيذ كما ذكرناه في أسبابه فإنّه نوع قدرة و استيلاء و كمال في الحال و إن كان سريع الزّوال لا يغترّ به إلّا الجهّال و لكن أكثر الناس جهّال، و من المرائين من لا يقنع بقيام منزلته بل يلتمس مع ذلك إطلاق اللّسان بالثناء و الحمد، و منهم من يريد انتشار الصيت في
المحجة