المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٤
و أظهر حلاوة كان رجيعه أقذر و أشدّ نتنا، فكذلك كلّ شهوة في القلب هي أشهى و ألذّ و أقوى فنتنها و كراهتها و التأذّي بها عند الموت أشدّ بل هي في الدّنيا مشاهدة فإن من نهبت داره و أخذ أهله و ولده و ماله فتكون مصيبته و ألمه و تفجّعه في كلّ ما فقده بقدر لذّته فيه و حبّه له و حرصه عليه، فكلّ ما كان عند الوجود أشهى عنده و ألذّ فهو عند الفقد أدهى و أمرّ، و ما للموت معنى إلّا فقد ما في الدّنيا، و قد روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال للضحّاك بن سفيان الكلابيّ: «أ لست تؤتى بطعامك و قد ملح و قزح، ثمّ تشرب اللّبن عليه و الماء؟ قال: بلى، قال: فإلى م يصير؟ قال: إلى ما قد علمت يا رسول اللّه، قال: فإنّ اللّه عزّ و جلّ قد ضرب مثل الدّنيا لما يصير إليه طعام ابن آدم» [١].
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ اللّه تعالى ضرب الدّنيا لمطعم بن آدم مثلا، و ضرب مطعم ابن آدم للدّنيا مثلا فانظر إلى ما يخرج من ابن آدم و أنّ قزحه و ملحه إلى ما يصير» [٢] قيل: قد رأيتهم يطيبونها بالأفاويه و الطيب، ثمّ يرمون به حيث رأيتم، و قد قال اللّه عزّ و جلّ «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ» [٣] قال ابن عبّاس: إلى رجيعه.
قيل لبعضهم: إذا قضى أحدنا حاجته فقام ينظر إلى ذلك منه؟ قال: نعم إنّ الملك ليقول له: هذا ما بخلت به انظر إلى ما ذا صار.
مثال آخر في نسبة الدّنيا إلى الآخرة:
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ما الدّنيا في الآخرة إلّا كمثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليمّ فلينظر بم ترجع إليه» [٤] من الأصل [٥].
مثال آخر للدّنيا و أهلها في اشتغالهم بنعيم الدّنيا و غفلتهم عن الآخرة و خسرانهم
[١] أخرجه أحمد ج ٣ ص ٤٥٢ من حديثه بنحوه.
[٢] أخرجه ابن حبان و الطبراني في الكبير من حديث أبي بسند حسن كما في الجامع الصغير مع اختلاف في اللفظ.
[٣] عبس: ٢٥.
[٤] أخرجه مسلم و أحمد ج ٤ ص ٢٢٩ من حديث المستورد بن شداد.
[٥] «من الأصل» كذا في جميع النسخ التي كانت موجودة عندي و ليس في الاحياء.
المحجة