المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٧
الحالة الرّابعة و هي الصدق في العبادة أن يكره المدح و يمقت المادح إذ يعلم أنّه فتنة عليه قاصمة للظهر مضرّ له في الدّين و يحبّ الذّامّ إذ يعلم أنّه مهد إليه عيوبه و مرشد له إلى مهمّه و مهد إليه حسناته، و قد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «رأس التواضع أن تكره أن تذكر بالبرّ و التقوى» [١] و قد روي في بعض الأخبار ما هو قاصم لظهور أمثالنا إن صحّ إذ روي أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «ويل للصائم و ويل للقائم، و ويل لصاحب الصوف إلّا من ... فقيل: يا رسول اللّه إلّا من؟ فقال: إلّا من تنزّهت نفسه عن الدّنيا و أبغض المدحة و استحبّ المذمّة»[١]و هذا شديد جدّا، و غاية أمثالنا الطمع في الحالة الثانية، و هو أن يضمر الفرح و الكراهة على الذّامّ و المادح و لا يظهره بالقول و العمل.
فأمّا الحالة الثالثة و هي التسوية بين المادح و الذّامّ فلسنا نطمع فيها، ثمّ إن طالبنا نفسنا بعلامة الحالة الثانية ما وفت بها لأنّها لا بدّ و أن نتسارع إلى إكرام المادح و قضاء حاجاته و نتثاقل عن إكرام الذّامّ و الثناء عليه و قضاء حوائجه و لا نقدر على أن نسوّي بينهما في الفعل الظاهر كما لا نقدر عليه في سريرة القلب و من قدر على التسوية بين المادح و الذّامّ في ظاهر الفعل فهو جدير بأن يتّخذ قدوة في هذا الزّمان إن وجد فهو الكبريت الأحمر يتحدّث به و لا يرى، فكيف بما بعده من المرتبتين، و كلّ واحدة من هذه الرّتب فيها درجات أمّا الدّرجات في المدح فهو أنّ من الناس من تمنّى المدحة و الثناء و انتشار الصيت فيتوصّل إلى نيلها بكلّ ممكن حتّى يرائي بالعبادات و لا يبالي بمقارفة المحظورات لاستمالة قلوب الناس و استنطاق ألسنتهم بالمدح و هذا من الهالكين. و منهم من يريد ذلك و يطلبه بالمباحات و لا يطلبه بالعبادات و لا يباشر المحظورات و هذا على شفا جرف هار فانهار به. فإنّ حدود الكلام الّذي يستميل به القلوب و حدود الأعمال لا يمكنه أن يضبطها فيوشك
[١] قال العراقي: لم أجده هكذا و ذكره صاحب الفردوس من حديث أنس «ويل لمن لبس الصوف فخالف فعله قوله» و لم يخرجه ولده في مسنده.
[١] قال العراقي: لم أجد له أصلا.
المحجة