المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٥
و أنت تزعم أنّك تحبّ القرب من اللّه. و أمّا الثالث فهو أنّ المسكين قد جنى على دينه حتّى سقط من عين اللّه جلّ و عزّ و أهلك نفسه بافترائه و تعرّض لعقابه الأليم فلا ينبغي أن تغضب عليه مع غضب اللّه عليه فتشمت به الشيطان و تقول: «اللّهمّ أهلكه» بل ينبغي أن تقول: «اللّهمّ أصلحه، اللّهمّ تب عليه، اللّهمّ ارحمه» كما قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ قال: «اللّهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون»[١]لمّا أن ضربوه، و دعا إبراهيم بن أدهم لمن شجّ رأسه بالمغفرة، فقيل له في ذلك، فقال: علمت أنّي مأجور بسببه و ما نالني منه إلّا خير، فلا أرضى أن يكون هو معاقبا بسببي. و ممّا يهوّن عليك كراهة المذمّة قطع الطمع، فإنّ من استغنيت عنه مهما ذمّك لم يعظم أثر ذلك في قلبك، و أصل الدّين القناعة و بها ينقطع الطمع عن الجاه و المال، و ما دام الطمع قائما كان حبّ الجاه و المدح في قلب من طمعت فيه غالبا، و كانت همّتك إلى تحصيل المنزلة في قلبه مصروفة، و لا ينال ذلك إلّا بهدم الدّين، فلا ينبغي أن يطمع طالب المال و الجاه و محبّ المدح و مبغض الذّمّ في سلامة دينه فإنّ ذلك بعيد جدّا.
(بيان اختلاف أحوال الناس في المدح و الذم)
اعلم أنّ للناس أربعة أحوال بالإضافة إلى الذّامّ و المادح.
الحالة الأولى: أن يفرح بالمدح و يشكر المادح و يغضب من الذّمّ و يحقد على الذّامّ و يكافئه أو يحبّ مكافأته. و هذا حال أكثر الخلق و هو غاية درجات المعصية في هذا الباب.
الحالة الثانية أن يتبغّض في الباطن على الذّامّ و لكن يمسك لسانه و جوارحه من مكافأته، و يفرح باطنه و يرتاح للمادح و لكن يحفظ ظاهره عن إظهار السرور، و هذا من النقصان إلّا أنّه بالإضافة إلى ما قبله كمال.
الحالة الثالثة: و هي أوّل درجات الكمال أن يستوي عنده ذامّه و مادحه فلا تغمّه
[١] أخرجه البيهقي في دلائل النبوة و الحديث في الصحيح أنه صلّى اللّه عليه و آله قاله حكاية عن نبي من الأنبياء حين ضربه قومه. (المغني)
المحجة