المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٤
يفهم منه. و القول الوجيز فيه أنّ من ذمّك لا يخلو من ثلاثة أحوال.
إمّا أن يكون قد صدق فيما قال و قصده النصح و الشفقة. و إمّا أن يكون صادقا و لكن قصده الإيذاء و التعنّت، أو يكون كاذبا.
فإن كان صادقا و قصده النصح فلا ينبغي أن تذمّه و تغضب عليه و تحقد بسببه، بل ينبغي أن تتقلّد منّته، فإنّ من أهدى إليك عيوبك فقد أرشدك إلى المهلك لك حتّى تتّقيه، فينبغي أن تفرح به و تشتغل بإزالة الصفة المذمومة عن نفسك إن قدرت عليها، فأمّا اغتمامك بسببه و كراهتك له و ذمّك إيّاه فإنّه غاية الجهل. و إن كان قصده التعنّت فأنت قد انتفعت بقوله إذ أرشدك إلى عيبك إن كنت جاهلا به، أو ذكّرك عيبك إن كنت غافلا عنه، أو قبّحه في عينك لينبعث حرصك على إزالته إن كنت قد استحسنته، و كلّ ذلك أسباب سعادتك و قد استفدته منه، فاشتغل بطلب السعادة فقد أتيح لك أسبابها بسبب ما سمعته من المذمّة، فمهما قصدت الدّخول على ملك و ثوبك ملوّث بالعذرة و أنت لا تدري و لو دخلت عليه كذلك لخفت أن يجزّ رقبتك لتلويثك مجلسه بالغدرة فقال لك قائل: أيّها الملوّث بالغدرة طهّر نفسك، فينبغي أن تفرح به لأنّ تنبّهك بقوله غنيمة، و جميع مساوي الأخلاق مهلكة في الآخرة و الإنسان إنّما يعرفها من قول أعدائه فينبغي أن تغتنمه، فأمّا قصد العدوّ التعنّت فجناية منه على دين نفسه و هو نعمة منه عليك فلم تغضب عليه بقول انتفعت أنت به و تضرّر هو به؟.
الحالة الثالثة: أن يفتري عليك بما أنت بريء منه عند اللّه فينبغي أن لا تكره ذلك و لا تشتغل بذمّه بل تتفكّر في ثلاثة أمور: أحدها أنّك إن خلوت من ذلك العيب فلا تخلو عن أمثاله و أخواته و ما ستر اللّه من عيوبك أكثر فاشكر اللّه إذ لم يطّلعه على عيوبك و دفعه عنك بذكر ما أنت بريء منه، و الثاني أنّ ذلك كفّارات لبقيّة مساويك و ذنوبك، و كأنّه رماك بعيب أنت بريء منه و طهّرك من ذنوب أنت ملوّث بها، و كلّ من اغتابك فقد أهدى إليك حسناته و كلّ من مدحك فقد قطع ظهرك، فما بالك تفرح بقطع الظهر و تحزن لهدايا الحسنات الّتي تقرّبك إلى اللّه
المحجة