المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣
مكيدة الشيطان، بل لو أخرجوا ممّا هم فيه لكانوا من أعظم المتفجّعين بفراقها، فكما أنّ المشي في الماء يقتضي بللا لا محالة يلتزق بالقدم فكذلك ملابسة الدّنيا تقتضي علاقة و ظلمة في القلب، بل علاقة القلب مع الدّنيا تمنع حلاوة العبادة، قال عيسى عليه السّلام: «بحقّ أقول لكم: كما ينظر المريض إلى الطعام فلا يلتذّ به من شدّة المرض كذلك صاحب الدّنيا لا يلتذّ بالعبادة و لا يجد حلاوتها مع ما يجد من حبّ الدّنيا، بحقّ أقول لكم: الدّابّة إذا لم تركب و لم تمتهن تصعب و تغيّر خلقها كذلك القلوب إذا لم ترفق بذكر الموت و بنصب العبادة تقسو و تغلظ، بحقّ أقول لكم: إنّ ألزق ما لم ينخرق أو يقحل يوشك أن يكون وعاء العسل كذلك القلوب ما لم تخرقها الشهوات، أو يدنّسها الطمع، أو يقسيها النعيم، فسوف تكون أوعية للحكمة، و قال نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّما بقي من الدّنيا بلاء و فتنة و إنّما مثل عمل أحدكم كمثل الوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله و إذا خبث أعلاه خبث أسفله» [١].
مثال آخر لما بقي من الدّنيا و قلّته بالإضافة إلى ما سبق:
عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «مثل هذه الدّنيا مثل ثوب شقّ من أوّله إلى آخره فبقي متعلّقا بخيط في آخره فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع» [٢].
مثال آخر لتأدية علايق الدّنيا بعضها إلى بعض حتّى الهلاك: قال عيسى عليه السّلام:
«مثل طالب الدّنيا مثل شارب ماء البحر كلّما ازداد شربا ازداد عطشا حتّى يقتله».
مثال آخر لمخالفة آخر الدّنيا أوّلها، و لنضارة أوائلها و خبث عواقبها:
اعلم أنّ شهوات الدّنيا في القلب لذيذة كشهوات الأطعمة في المعدة و سيجد العبد عند الموت لشهوات الدّنيا في قلبه من الكراهية و النتن و القبح ما يجده لأطعمة اللّذيذة إذا بلغت في المعدة غايتها، و كما أنّ الطعام كلّما كان ألذّ طعما و أكثر دسما
[١] أخرجه أحمد في المسند ج ٤ ص ٩٤ من حديث معاوية و مثله لابن شعبة في التحف ص ٥٠٦ و ٥٠٧.
[٢] أخرجه ابن حبان في الثواب و أبو نعيم في الحلية و البيهقي من الشعب من حديث أنس بسند ضعيف كما في المغني.
المحجة