المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٢
و رأى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعض أصحابه يبني بيتا من جصّ فقال: «أرى الأمر أعجل من هذا و أنكر ذلك» [١] و إلى هذا أشار عيسى عليه السّلام حيث قال: «الدّنيا قنطرة فاعبروها و لا تعمروها» و هذا مثال واضح فإنّ الحياة الدّنيا معبر إلى الآخرة و المهد هو الميل الأوّل على رأس القنطرة، و اللّحد هو الميل الثاني، و بينهما مسافة محدودة، فمن الناس من قطع نصف القنطرة، و منهم من قطع ثلثها، و منهم من قطع ثلثيها، و منهم من لم يبق له إلّا خطوة واحدة، و هو غافل عنها، و كيف كان فلا بدّ له من العبور، فالبناء على القنطرة و تزيينها بأصناف الزّينة و أنت عابر عليها غاية الجهل و الخذلان.
مثال آخر للدّنيا في لين موردها و خشونة مصدرها:
اعلم أنّ أوائل أمور الدّنيا تبدو هيّنة ليّنة، يظنّ الخائض فيها أنّ حلاوة خفضها كحلاوة الخوض فيها و هيهات فالخوض في الدّنيا سهل و الخروج منها مع السلامة شديد، و قد كتب عليّ عليه السّلام إلى سلمان الفارسي- رضي اللّه عنه- بمثالها فقال:
مثل الدّنيا مثل الحيّة يلين مسّها و يقتل سمّها[١]، فأعرض عمّا يعجبك منها لقلّة ما يصحبك منها، وضع عنك، همومها لما أيقنت من فراقها و كن أسرّ ما تكون منها أحذر ما تكون منها [٢]، فإنّ صاحبها كلّما اطمأنّ منها إلى سرور أشخصته عنه مكروهة و السلام» [٣].
مثال آخر للدّنيا و تعذّر الخلاص من تبعاتها بعد الخوض فيها:
قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّما مثل صاحب الدّنيا كمثل الماشي في الماء هل يستطيع الّذي يمشي في الماء أن لا تبتلّ قدماه» [٤] و هذا يعرفك جهالة قوم ظنّوا أنّهم يخوضون في نعيم الدّنيا بأبدانهم و قلوبهم عنها مطهّرة، و علايقها عن بواطنهم منقطعة، و تلك
[١] أورده السيد الشريف الرضي في النهج قسم الكتب منه تحت رقم ٦٨ هكذا «لين مسها قاتل سمها».
[١] أخرجه أبو داود ج ٢ ص ٦٤٩ من حديث عبد اللّه بن عمر و أخرجه الترمذي و صححه.
[٢] في النهج هكذا «و كن آنس ما تكون بها أحذر ما تكون منها».
[٣] في النهج هكذا «كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخصته عنه إلى محذور».
[٤] أخرجه ابن أبي الدنيا في الزهد و البيهقي في الشعب من رواية الحسن. (المغني)
المحجة