المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٩
الاستيلاء على الكلّ محبوبا بالطبع لأنّه نوع كمال و كلّ موجود يعرف ذاته فإنّه يحبّ ذاته و يحبّ كمال ذاته و يلتذّ بها إلّا أنّ الاستيلاء على الشيء بالقدرة على التأثير فيه و على تغييره بحسب الإرادة و كونه مسخّرا لك تردّده كيف تشاء فأحبّ الإنسان أن يكون له الاستيلاء على الأشياء الموجودة معه إلّا أنّ الموجودات منقسمة إلى ما لا يقبل التغيّر في نفسه كذات اللّه و صفاته و إلى ما يقبل التغيّر و لكن لا يستولي عليها قدرة الخلق كالأفلاك و الكواكب و ملكوت السماوات و نفوس الملائكة و الجنّ و الشياطين و كالجبال و البحار و ما تحت الجبال و البحار، و إلى ما يقبل التغيّر بقدرة العبد كالأرض و أجزائها و ما عليها من المعادن و النبات و الحيوان و من جملتها قلوب الناس فإنّها قابلة للتأثّر و التغيّر مثل أجسادهم و أجساد الحيوانات فإذا انقسمت الموجودات إلى ما يقدر الإنسان على التصرّف فيه كالأرضيات و إلى ما لا يقدر كذات اللّه تعالى و الملائكة و السماوات فأحبّ الإنسان أن يستولي على السماويات بالعلم و الإحاطة و الاطّلاع على أسرارها فإن ذلك نوع استيلاء إذ المعلوم المحاط به كالدّاخل تحت القدرة و العالم كالمستولي عليه فلذلك أحبّ أن يعرف اللّه و الملائكة و الأفلاك و الكواكب و جميع عجائب السماوات و عجائب البحار و الجبال و غيرها لأنّ ذلك نوع استيلاء عليها و الاستيلاء نوع كمال و هذا يضاهي اشتياق من عجز عن صنعة عجيبة إلى معرفة طريق الصنعة فيها كمن يعجز عن وضع الشطرنج فإنّه قد يشتهي أن يعرف اللّعب به و أنّه كيف وضع، و كمن يرى صنعة عجيبة في الهندسة أو الشعبذة أو جرّ الثقيل أو غيره و هو مستشعر في نفسه نقص العجز و القصور عنه لكنّه يشتاق إلى معرفة كيفيّته فهو متألّم بنقص العجز و متلذّذ بكمال العلم إن علمه.
و أمّا القسم الثاني و هو الأرضيّات الّتي يقدر الإنسان عليها فإنّه يحبّ بالطبع أن يستولي عليها بالقدرة على التصرّف فيها كيف يريد و هي قسمان أجساد و أرواح و الأجساد الدّراهم و الدّنانير و الأمتعة فيحبّ أن يكون قادرا عليها يفعل فيها ما يشاء من الرّفع و الوضع و التسليم و المنع فإنّ ذلك قدرة و القدرة
المحجة