المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٥
قوّة في بدن أو شيء ممّا يعتقده النّاس كمالا فإنّ هذه الأوصاف كلّها يعظم محلّها في القلوب فتكون سببا لقيام الجاه.
(بيان سبب كون الجاه محبوبا بالطبع) (حتى لا يخلو عنه قلب الا بشديد المجاهدة)
اعلم أنّ السبب الّذي يقتضي كون الذّهب و الفضّة و سائر أنواع الأموال محبوبا هو بعينه يقتضي كون الجاه محبوبا بل يقتضي أن يكون أحبّ من المال كما يقتضي أن يكون الذّهب أحبّ من الفضّة مهما تساويا في المقدار و هو أنّك تعلم أنّ الدّراهم و الدّنانير لا غرض في أعيانهما إذ لا تصلح لمنكح و لا لمطعم و لا لملبس و إنّما هي و الحصى بمثابة واحدة و لكنّها محبوبة لأنّها وسيلة إلى جميع المحابّ و ذريعة إلى قضاء الشهوات، و كذلك الجاه لأنّ معنى الجاه ملك القلوب و كما أنّ ملك الذّهب و الفضّة يفيد قدرة يتوصّل الإنسان بها إلى سائر أغراضه فكذلك ملك قلوب الأحرار و القدرة على استسخارها تفيد قدرة على التوصّل إلى جميع الأغراض فالاشتراك في السبب اقتضى الاشتراك في المحبّة و ترجيح الجاه على المال اقتضى أن يكون الجاه أحبّ من المال، و لملك القلوب ترجيح على ملك المال من ثلاثة أوجه:
الأوّل: أنّ التوصّل بالجاه إلى المال أيسر من التوصّل بالمال إلى الجاه
فالعالم أو الزّاهد الّذي تقرّر له جاه في القلوب لو قصد اكتساب المال يتيسّر له فإنّ أموال أرباب القلوب مسخّرة للقلوب و مبذولة لمن اعتقد فيه الكمال و أمّا الرّجل الخسيس الّذي لا يتّصف بصفة كمال إذا وجد كنزا و لم يكن له جاه يحفظ ماله و أراد أن يتوصّل بالمال إلى الجاه لم يتيسّر له فإذن الجاه آلة إلى المال، فمن ملك الجاه فقد ملك المال أيضا، و من ملك المال لم يملك الجاه بكلّ حال فلذلك صار الجاه أحبّ.
الثاني هو أنّ المال معرض للبلوى
و التلف لأنّه يسرق و يغصب و يطمع فيه الملوك و الظلمة و يحتاج فيه إلى الحفظ و الحراسة و الخزائن و يتطرّق إليه أخطار كثير و أمّا القلوب إذا ملكت لم تتعرّض لهذه الآفات، فهي على التحقيق خزائن
المحجة