المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١
تحاسدتم و تباغضتم و اغتررتم، ثمّ يقذف بها في جهنّم فتنادي أي ربّ أين أتباعي و أشياعي، فيقول اللّه عزّ و جلّ: ألحقوا بها أتباعها و أشياعها.
و قال الفضيل بن عياض: بلغني أنّ رجلا عرج بروحه إلى السّماء، فإذا امرأة على قارعة الطريق، عليها من كلّ زينة الحليّ و الثياب و إذا لا يمرّ بها أحد إلّا جرحته، فإذا هي أدبرت كانت أحسن شيء رآه الناس و إذا أقبلت كانت أقبح شيء رآه الناس، عجوز شمطاء زرقاء عمشاء [١]، قال: قلت: أعوذ باللّه منك، قالت:
لا و اللّه لا يعيذك اللّه منّي حتّى تبغّض الدّرهم، قال: قلت: من أنت؟ قالت: أنا الدّنيا.
مثال آخر للدّنيا و عبور الإنسان بها:
اعلم أنّ الأحوال ثلاثة حالة لم تكن فيها شيئا و هي ما قبل وجودك إلى الأزل، و حالة لا تكون فيها مشاهدا للدّنيا و هي ما بعد موتك إلى الأبد، و حالة متوسطة بين الأبد و الأزل و هي أيّام حياتك في الدّنيا فانظر إلى مقدار طولها و انسبه إلى طرفي الأزل و الأبد حتّى تعلم أنّه أقلّ من منزل قصير في سفر طويل، و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «مالي و للدّنيا إنّما مثلي و مثل الدّنيا كمثل راكب سار في يوم صائف فرفعت له شجرة فقال تحت ظلّها ساعة [٢] ثمّ راح و تركها» [٣] و من رأى الدّنيا بهذه العين لم يركن إلى الدّنيا و لم يبال كيف انقضت أيّامه في ضرّ و ضيق أو في سعة و رفاهية، بل لا يبني لبنة على لبنة، توفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ما وضع لبنة على لبنة و لا قصبة على قصبة[١].
[١] أخرجه ابن حبان في الثقات و للطبراني في الأوسط من حديث عائشة بسند ضعيف هكذا «من سأل عنى او سره أن ينظر إلى فلينظر إلى أشعث شاحب مشمّر لم يضع لبنة على لبنة- الحديث». الترغيب ج ٤ ص ١٨٧.
[١] الشمطاء مؤنّث أشمط، و شمط- بالتحريك-: خالط بياض شعر رأسه سواده.
و الزرقاء مؤنث أزرق اى التي ظهرت بياض عينها. و العمشاء التي ضعف بصرها مع سيلان دمعتها.
[٢] «قال» من القيلولة اى استراح و قد مر.
[٣] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٤١٠٩ و الترمذي و الحاكم من حديث ابن مسعود و رواه أحمد و صحّحه الحاكم من حديث ابن عباس راجع مجمع الزوائد ج ١٠ ص ٣٢٦.
المحجة