المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠٧
بالخير و إظهار العمل و العلم فوجدت مخلصا من مشقّة المجاهدة إلى لذّة القبول عند الخلق و نظرهم إليه بعين الوقار و التعظيم، فسارعت إلى إظهار الطاعة و توصّلت إلى اطّلاع الخلق و لم تقنع باطّلاع الخالق و فرحت بحمد الناس و لم تقنع بحمد اللّه وحده، و علمت أنّهم إذا عرفوا تركه الشهوات و توقّيه الشبهات و تحمله مشاقّ العبادات أطلقوا ألسنتهم بالمدح و الثناء، و بالغوا في التفريط و الإطراء، و نظروا إليه بعين التوقير و الاحترام، و تبرّكوا بمشاهدته و لقائه، و رغبوا في بركة دعائه، و حرصوا على اتّباع رأيه، و فاتحوه بالخدمة و السلام، و أكرموه في المحافل غاية الإكرام، و سامحوه في البيع و المعاملات، و قدّموه في المجالس، و آثروه بالمطاعم و الملابس، و تصاغروا له متواضعين و انقادوا له في أغراضه موقّرين فأصابت النفس في ذلك لذّة هي أعظم اللّذّات و شهوة هي أغلب الشهوات فاستحقرت فيه ترك المعاصي و الهفوات و استلانت خشونة المواظبة على العبادات لإدراكها في الباطن لذّة اللّذّات و شهوة الشهوات فهو يظنّ أنّ حياته باللّه و بعبادته المرضيّة و إنّما حياتها بهذه الشهوة الخفيّة الّتي تعمى عن دركها العقول النافذة القويّة و يرى أنّه مخلص في طاعة اللّه و مجتنب لمحارم اللّه و النفس قد أبطنت هذه الشهوة تزيينا للعباد و تصنّعا للخلق و فرحا بما نالت من المنزلة و الوقار و حسن الحال و الإقبال، و أحبطت بذلك ثواب الطاعات و أجور الأعمال و أثبت اسمه في جريدة المنافقين و هو يظنّ أنّه عند اللّه من المقرّبين، و هذه مكيدة للنفس لا يسلم منها إلّا الصدّيقون، و مهواة لا يرقى منها إلّا المقرّبون، و لذلك قيل: آخر ما يخرج من رءوس الصدّيقين حبّ الرّئاسة، و إذا كان الرّياء هو الدّاء الدّفين الّذي هو أعظم شبكة للشياطين وجب شرح القول في سببه و حقيقته، و درجاته و أقسامه و طرق معالجته، و الحذر منه، و يتّضح الغرض منه في ترتيب الكتاب على شطرين
الشطر الأوّل في حبّ الجاه و الشهرة
و فيه بيان ذمّ الشهرة و انتشار الصيت، و بيان فضيلة الخمول، و بيان ذمّ الجاه، و بيان معنى الجاه و حقيقته، و بيان السبب في كونه محبوبا حبّا أشدّ من حبّ المال، و بيان أنّ الجاه كمال و وهميّ
المحجة