المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠٥
دينار و لا شيء أ فلا اتّخذتم الذهب و الفضّة فاستمتعتم بهما؟ قالوا: إنّما كرهنا هما لأنّ أحدا لم يؤت منهما شيئا إلّا تاقت نفسه و دعته إلى ما هو أفضل منه، فقال:
ما لكم قد احتفرتم قبورا فإذا أصبحتم تعاهدتموها فكنستموها و صلّيتم عندها؟
قالوا: أردنا إذا نظرنا إليها و أملنا الدّنيا منعتنا قبورنا من الأمل، قال: و أراكم لا طعام لكم إلّا البقل من الأرض أ فلا اتّخذتم البهائم من الأنعام فاحتلبتموها و ركبتموها و استمتعتم بها؟ فقالوا: كرهنا أن نجعل بطوننا قبورا لها و رأينا في نبات الأرض بلاغا و إنّما يكفي ابن آدم أدنى العيش من الطعام و أنّ ما جاوز الحنك من الطعام لم نجد له طعما كائنا ما كان من الطعام، ثمّ بسط ملك تلك الأرض يده خلف ذي القرنين فتناول جمجمة فقال: يا ذا القرنين أ تدري من هذا؟ قال:
لا و من هو؟ قال: ملك من ملوك الأرض أعطاه اللّه سلطانا على أهل الأرض فغشم [١] و ظلم و عتا فلمّا رأى اللّه ذلك منه حسمه بالموت فصار كالحجر الملقى فقد أحصى اللّه عليه عمله حتّى يجزيه به في آخرته، ثمّ تناول جمجمة أخرى بالية فقال: يا ذا القرنين هل تدري من هذا؟ قال: لا و من هو؟ قال: هذا ملك ملّكه اللّه بعده قد كان يرى ما يصنع الّذي قبله بالناس من الغشم و الظلم و التجبّر فتواضع و خشع للَّه عزّ و جلّ و أمر بالعدل في أهل مملكته فصار كما ترى قد أحصى اللّه عليه عمله حتّى يجزيه به في آخرته، ثم أهوى إلى جمجمة ذي القرنين فقال: و هذه الجمجمة كأن قد كانت كهاتين فانظر يا ذا القرنين ما أنت صانع فقال له ذو القرنين: هل لك في صحبتي فأتّخذك أخا و وزيرا و شريكا فيما آتاني اللّه من هذا المال؟ قال:
ما أصلح أنا و أنت في مكان و لا أن نكون جميعا، قال ذو القرنين: و لم؟ قال: من أجل أنّ الناس كلّهم لك عدوّ و لي صديق، قال: و لم؟ قال: يعادونك لما في يديك من الملك و المال و الدّنيا، و لا أجد أحدا يعاديني لرفضي لذلك و لما عندي من الحاجة و قلّة الشيء، قال: فانصرف عنه ذو القرنين متعجّبا منه و متّعظا به.
فهذه الحكايات تدلّك على آفات الغنى مع ما قدّمنا من قبل، و اللّه الموفّق
[١] غشمه أي ظلمه و الغاشم: الظالم و الغاصب.
المحجة