إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٢١ - فصل في ذكر اجتهاد رسول اللَّه
و له من حديث مغيرة بن أبي الخواء الكندي عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده قال: جاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و نحن جلوس فقال: ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت اللَّه فيها مائة مرة [١].
و له من حديث عفان عن حماد بن سلمة قال: أخبرنا ثابت عن أبي بردة عن [الأغر المزني] [٢] قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: إنه ليغان على قلبي حتى استغفر اللَّه في كل يوم مائة مرة [٣].
[ ()] حديث رقم (٣٠٧٧- ٣٨١٦)، و قال فيه «سبعين مرة»، قال الألباني: صحيح.
[١] (المطالب العالية): ج ٣ ص ١٩٧، حديث رقم (٢٣٤٢)، رواه الطبراني بغير هذا اللفظ، و بزيادة. «و أتوب إليه» قال الهيثمي: رجال أحد إسناديه رجال الصحيح (١٠/ ٢٠٩)، و صحح إسناده البوصيري (٣/ ٩٦).
[٢] ما بين القوسين غير واضح في (خ)، و ما أثبتناه من (صحيح مسلم).
[٣] (مسلم بشرح النووي): ج ١٧ ص ٢٦- ٢٧، حديث رقم (٤١- ٢٧٠٢) باب استحباب الاستغفار و الاستكثار منه، و قال فيه: «إنه ليغان على قلبي، و إني لأستغفر اللَّه في اليوم مائة مرة».
قال أهل اللغة: الغين و الغيم بمعنى، و المراد هنا ما يتغشّى القلب. قال القاضي:
قيل: المراد الفترات و الغفلات عن الذكر الّذي كان شأنه الدوام عليه، فإذا فتر عنه أو غفل، عدّ ذلك ذنبا و استغفر منه.
و قيل: هو همه بسبب أمته، و ما أطلع عليه من أحوالها بعده فيستغفر لهم.
و قيل: سببه اشتغاله بالنظر في مصالح أمته و أمورهم، و محاربة العدو و مداراته، و تأليف المؤلفة، و نحو ذلك، فيشتغل بذلك من عظيم مقامه، فيراه ذنبا بالنسبة إلي عظيم منزلته، و إن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات، و أفضل الأعمال، فهي نزول عن عالي درجته، و رفيع مقامه، من حضوره مع اللَّه تعالى، و مشاهدته، و مراقبته، و فراغه مما سواه، فيستغفر لذلك.
و قيل: يحتمل أن يكون هذا الغين هو السكينة التي تغشي قلبه، لقوله تعالى: فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ (آية ١٨/ الفتح)، و يكون استغفاره إظهارا للعبودية و الافتقار، و ملازمة الخشوع، و شكرا لما أولاه.
و قيل: يحتمل أن يكون هذا الغين حال خشية و إعظام يغشي القلب، و يكون استغفاره شكرا كما سبق.
و قيل: هو شيء يعتري القلوب الصافية، مما تتحدث به النفس، فهو شأنها، و اللَّه أعلم. (المرجع السابق).
(عون المعبود): ج ٤ ص ٢٦٥، حديث رقم (١٥١٢) و قال فيه: «في كل يوم مائة مرة»، قال في النهاية: و غينت السماء تغان إذا أطبق عليها الغيم، و قيل: الغين شجر ملتف. أراد ما يغشاه من السهو الّذي لا يخلو منه البشر، لأن قلبه أبدا كان مشغولا باللَّه تعالى، فإن عرض له وقتا ما عارض بشريّ يشغله عن أمور الأمة أو الملة و مصالحهما، عدّ ذلك ذنبا و تقصيرا، فيفرغ إلى الاستغفار.