إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٨٣ - فصل في ذكر بدء الوحي لرسول اللَّه
الباطنة، و هي وجدان كلها، لا نطاق لها من مبدئها و لا من منتهاها، و هذه مدارك الأولياء، أهل العلوم اللدنية و المعارف الربانية، و هي الحاصلة بعد الموت لأهل السعادة.
و صنف مفطور على الانسلاخ من البشرية جملة: جسمانيها و روحانيها إلى الملائكية من الأفق الأعلى ليصير في لمحة من اللمحات ملكا بالفعل، و يحصل له شهود الملأ الأعلى في أفقهم، و سماع الكلام النفساني و الخطاب الإلهي في تلك اللمحة، و هو لأهم الأنبياء (صلوات اللَّه عليهم)، جعل اللَّه لهم الانسلاخ من البشرية في تلك اللمحة و هي حالة الوحي، فطرة فطرهم اللَّه عليها، و جبلة صورهم فيها، و نزههم عن موانع البدن و عوائقه ما داموا ملابسين لها بالبشرية بما ركب في غرائزهم من العصمة و الاستقامة التي يحادون بها تلك الوجهة، و ركز في طبائعهم رغبة في العبادة تكتنف بتلك الوجهة، و تشيع نحوها، فهم يتوجهون إلى ذلك الأفق بذلك النوع من الانسلاخ متى شاءوا بتلك الفطرة التي فطروها عليها، لا باكتساب و لا صناعة، فإذا توجهوا و انسلخوا عن بشريتهم، و تلقوا في ذلك الملأ الأعلى ما يتلقونه على جوابه على المدارك البشرية، متنزلا في قواها لحكمة التبليغ للعباد، فتارة بسماع دويّ كأنه رمز من الكلام يأخذ منه المعنى الّذي ألقى إليه، فلا ينقضي الدويّ إلا و قد وعاه و فهمه.
و تارة يتمثل له الملك الّذي يلقى إليه رجلا يكلمه و يلقى ما يقوله، و التلقي من الملك و الرجوع على المدارك البشرية و فهمه ما ألقي عليه كأنه في لحظة واحدة بل أقرب من لمح البصر، لأنه ليس في زمان بل كلها تقع جميعا، فتظهر كأنها سريعة، و لذلك سميت وحيا، لأن الوحي في اللغة الإسراع.
و اعلم أن الأولى و هي حالة الدوي رتبة الأنبياء غير المرسلين على ما حققوه، و الثانية و هي حالة يتمثل الملك رجلا يخاطب [و] [١] هي رتبة الأنبياء المرسلين، و لذلك كانت أكمل من الأولى، و هذا معنى الحديث الّذي فسر فيه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) الوحي لما
سأله الحارث بن هشام و قال: كيف يأتيك الوحي؟ فقال (صلى اللَّه عليه و سلم): أحيانا
[١] زيادة للسياق.