إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٥٤ - فصل في حفظ اللَّه لنبيه
يأتي عرفات فيقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله عزّ و جل: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ [١]. ذكره البخاري في كتاب التفسير [٢]، و خرجه أبو داود
[ ()] ما عظموا من الحرم، فتركوا الوقوف على عرفة و الإفاضة منها، و هم يعرفون و يقرون أنها من المشاعر و الحج و دين إبراهيم (صلى اللَّه عليه و سلم)، و يرون لسائر العرب أن يفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم، فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة، و لا نعظم غيرها، كما نعظهما نحن الحمس، و الحمس: أهل الحرم، ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكن الحل و الحرم مثل الّذي لهم بولادتهم إياهم، يحل لهم ما يحل لهم و يحرم عليهم ما يحرم عليهم.
قال ابن هشام: و حدثني أبو عبيدة النحويّ: أن بني عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن دخلوا معهم في ذلك.
قال ابن إسحاق: ثم ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن لهم، حتى قالوا: لا ينبغي للحمس أن يأتقطوا الأقط، و لا يسئلوا السمن و هم حرم، و لا يدخلوا بيتا من شعر، و لا يستظلوا- إن استظلوا- إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرما، ثم رفعوا في ذلك فقالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحلّ إلى الحرم إذا جاءوا حجّاجا أو عمّارا، و لا يطوفون بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس. فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة.
و من طاف منهم في ثيابه التي جاء فيها من الحلّ ألقاها، فلم ينتفع بها هو و لا غيره، و كانت العرب تسمي تلك الثياب: اللّقى، فحملوا على ذلك العرب فدانت به، و وقفوا على عرفات و أفاضوا
منها، و طافوا بالبيت عراة، أما الرجال فيطوفون عراة، و أما النساء فتضع إحداهنّ ثيابها كلّها إلا درعا مفرّجا عليها، ثم تطوف فيه، فقالت امرأة من العرب، و هي كذلك تطوف بالبيت:
اليوم يبدو بعضه أو كلّه* * * و ما بدا منه فلا أحلّه
و يذكر أن هذه المرأة هي: ضباعة بنت عامر بن صعصعة، ثم من بني سلمة بن قشير.
و ذكر محمد بن حبيب أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خطبها، فذكرت له عنها كبرة، فتركها، فقيل إنها ماتت كمدا و حزنا على ذلك. قال ابن حبيب: إن كان صح هذا، فما أخّرها عن تكون أما للمؤمنين، و زوجا لرسول رب العالمين إلا قولها «اليوم يبدو بعضه أو كلّه» تكرمة من اللَّه لنبيه، و علما منه بغيرته، و اللَّه أغير منه و من اللّقى: حديث فاختة أم حكيم بن حزام، و كانت دخلت الكعبة، و هي حامل متمّ بحكيم بن حزام، فأجاءها المخاض، فلم تستطع الخروج من الكعبة، فوضعته فيها، فلفّت في الأنطاع هي و جنينها، و طرح مثبرها [المثبر: مسقط الولد] و ثيابها التي كانت عليها، فجعلت لقي لا تقرب.
و مما ذكر من تعرّيهم في الطواف أنّ رجلا و امرأة طافا كذلك، فانضم الرجل إلى المرأة تلذّذا و استمتاعا، فلصق عضده بعضدها، ففزعا عند ذلك، و خرجا من المسجد، و هما ملتصقان، و لم يقدر أحد على فك عضده من عضدها، حتى قال لهما قائل: توبا مما كان في ضميركما، و أخلصا للَّه التوبة، ففعلا، فانحلّ أحدهما من الآخر.
(سيرة ابن هشام): ٢/ ٢١- ٢٦.
[١] (البقرة: ١٩٩).
[٢] (فتح الباري): ٨/ ٢٣٦، كتاب التفسير، باب ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ حديث رقم (٤٥٢٠).