إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٣٨ - فصل في ذكر اجتهاد رسول اللَّه
[تنبيه]: حديث وجود التمر في بعض طرقه: لقي تمرة على فراشه، و في بعضها لقي تمرة في منزلة، و في أخرى لقي تمرة في الطريق، فكان في ذلك ثلاث رتب في الورع، متفاوتة في التأكيد، أيسرها تمرة الفراش، فإنه (صلى اللَّه عليه و سلم) لم يكن يقبل الصدقة، و لا تدخل منزله غالبا، فكيف بأخص منزله و هو الفراش، فيندر كونها من تمر الصدقة، و فوق ذلك في التأكيد تمرة المنزل، و آكدها تمرة الطريق لكثرة مرور الصدقات فيها، هذا كله مع أن تمر الصدقة قليل بالنسبة إلى جنس التمر، فآكد هذه الصور الثلاث لا يجاوز الورع في المباح، و لا تنتهي التمرة به إلى حد النهي، لكن مقام النبوة كريم، و الورع به جدير.
[ ()] الشهوة و إعفاف النفس و تكثير النسل.
وقوله: «فليس مني»
إن كانت الرغبة بضرب من التأويل يعذر صاحبه فيه، فمعنى
«فليس مني»
أي على طريقتي، و لا يلزم أن يخرج عن الملة، و إن كان إعراضا و تنطعا يفضي إلى اعتقاد أرجحيّة عمله، فمعنى
«فليس مني»
ليس على ملتي، لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر، و في الحديث دلالة على فضل النكاح و الترغيب فيه.
و فيه تتبع أحوال الأكابر للتأسي بأفعالهم و أنه إذا تعذرت معرفته من الرجال جاز استكشافه من النساء، و أن من عزم على عمل بر و احتاج إلى إظهاره حيث يأمن الرياء لم يكن ذلك ممنوعا.
و فيه تقديم الحمد و الثناء على اللَّه عند إلقاء مسائل العلم و بيان الأحكام للمكلفين، و إزالة الشبهة عن المجتهدين، و أن المباحات قد تنقلب بالقصد إلى الكراهة و الاستحباب.
و قال الطبري: فيه الرد على من منع استعمال الحلال من الأطعمة من الملابس و آثر غليظ الثياب و خشن الأكل. قال عياض: هذا مما اختلف فيه السلف، فمنهم من نحا إلى ما قال الطبري، و منهم من عكس و احتج بقوله تعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا، قال: و الحق أن هذه الآية في الكفار، و قد أخذ النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بالأمرين، كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها و ملازمة الاقتصار على الفرائض مثلا، و ترك التنفل يفضي إلى إيثار البطالة، و عدم النشاط إلى العبادة، و خير الأمور الوسط. (فتح الباري): ٩/ ١٢٩- ١٣٢.
و قد أخرج الإمام أحمد في (المسند): ٤/ ٢٥، ٢٦، ٤١٤، حديث رقم (١٥٨٨٠) «من صام الدهر ضيقت عليه جهنم»، لأنه رغب رخصة اللَّه تعالى و يسره، و الراغب عن الرخصة كالراغب عن العزم، و كلاهما مستحق للعقوبة. (تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة) ص ١٣٥ و
قد قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في صائم الدهر: «و لا صام و لا أفطر». أخرجه مسلم في كتاب الصيام (١٣)، (١٤)، و أبو داود في كتاب الصوم (١٤)، (٥٣)، و النسائي: (٢٢) كتاب الصوم. قال يحى: و هو حديث حسن.