إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٣٧ - فصل في ذكر اجتهاد رسول اللَّه
سفينة عن أبيه عن سفينة قال: تعبّد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و اعتزل النساء حتى صار كالشن [١] البالي قبل موته بشهرين [٢].
[١] الشن: القربة (النهاية): ١/ ٥٠٦.
[٢]
هذا الحديث يتعارض مع ما أخرجه (البخاري) في النكاح باب (١) حديث رقم (٥٠٦٣)، و (مسلم) في النكاح باب (١) حديث رقم (١٤٠١)، و (النسائي) في النكاح باب (٥)، و (أبو داود) في النكاح باب
[٣]، و (أحمد) ٣/ ٢٤١، حديث رقم (١٣١٢٢)، كلهم عن أنس: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يسألون عن عبادة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلما أخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: و أين نحن من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ و قد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر. قال أحدهم:
أما فأنا أصلي الليل أبدا. و قال آخر: أنا أصوم الدهر و لا أفطر. و قال آخر: أنا أعتزل النساء و لا أتزوج أبدا. فجاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: أنتم الذين قلتم كذا و كذا؟ أما و اللَّه إني لأخشاكم للَّه و أتقاكم له، لكني أصوم و أفطر، و أصلي و أرقد، و أتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»
و اللفظ للبخاريّ. و في رواية ثابت عند (مسلم) «أن نفرا من أصحاب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)»، و لا منافاة بينهما، فالرهط من ثلاثة إلى عشرة، و النفر من ثلاثة إلى تسعة، كل منهما اسم جمع لا واحد له من لفظه.
و وقع في مرسل سعيد بن المسيب عن عبد الرزاق، أن الثلاثة المذكورين هم علي بن أبي طالب، و عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، و عثمان بن مظعون. و عند ابن مردويه من من طريق الحسن العدني:
«كان عليّ في أناس ممن أرادوا أن يحرموا الشهوات، فنزلت الآية في المائدة».
و وقع في (أسباب النزول للواحدي) بغير إسناد أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «ذكّر الناس و خوّفهم، فاجتمع عشرة من الصحابة و هم: أبو بكر و عمر و علي و ابن مسعود و أبو ذرّ و سالم مولى أبي حذيفة و المقداد و سلمان و عبد اللَّه بن عمرو بن العاص و معقل بن مقرن- في بيت عثمان بن مظعون، فاتفقوا على أن يصوموا النهار و يقوموا الليل و لا يناموا على الفرش، و لا يأكلوا اللحم، و لا يقربوا النساء و يحبوا مذاكيرهم» فإن كان هذا محفوظا، احتمل أن يكون الرهط الثلاثة هم الذين باشروا السؤال، فنسب ذلك إليهم بخصوصهم تارة، و نسب تارة للجميع لاشتراكهم في طلبة، و يؤيد أنهم كانوا أكثر من ثلاثة في الجملة، ما روى مسلم من طريق سعيد بن هشام أنه «قدم المدينة، فأراد أن يبيع عقاره فيجعله في سبيل اللَّه، و يجاهد الروم حتى الموت، فلقي ناسا بالمدينة فنهوه عن ذلك، و أخبروه أن رهطا ستة أرادوا ذلك في حياة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فنهاهم، فلما حدثوه ذلك راجع امرأته و كان قد طلقها» يعني بسبب ذلك، لكن في عدّ عبد اللَّه بن عمرو معهم نظر، لأن عثمان بن مظعون مات قبل أن يهاجر عبد اللَّه فيما أحسب.
قوله: «إني لأخشاكم للَّه و أتقاكم له» فيه إشارة إلى ردّ ما بنوا عليه أمرهم، من أن المغفور له لا يحتاج إلى مزيد في العبادة بخلاف غيره، فأعلمهم أنه مع كونه يبالغ في التشديد في العبادة أخشى اللَّه و أتقى من الذين يشددون، و إنما كان كذلك لأن المشدّد لا يأمن من الملل بخلاف المقتصد، فإنه أمكن لاستمراره، و خير العمل ما داوم عليه صاحبه، و قد أرشد إلى ذلك
قوله في الحديث الآخر «المنبت لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى».
قوله: «فمن رغب عن سنتي فليس مني»
المراد بالسنة الطريقة، لا التي تقابل الفرض، و الرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره. و المراد: من ترك طريقتي و أخذ بطريقة غيري فليس مني، و لمح بذلك إلى طريقة الرهبانية، فإنّهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم اللَّه تعالى، و قد عابهم بأنهم ما وفوه بما التزموه، و طريقة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) الحنيفية السمحة، فيفطر ليقوى على الصوم، و ينام ليقوى على القيام، و يتزوج لكسر