إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٣١ - فصل في ذكر اجتهاد رسول اللَّه
و خرّجه مسلم من حديث ليث عن بكير عن بسر بن سعيد عن أبي هريرة عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه قال: لن ينجي أحدا منكم عمله، قال رجل: و لا إياك يا رسول اللَّه؟ قال: و لا إياي إلا أن يتغمدني اللَّه منه برحمة، و لكن سددوا [١]. و في رواية له: قاربوا و سددوا، و اعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله، قالوا: يا رسول اللَّه، و لا أنت؟ قال: و قال: و لا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمة منه و فضل [٢].
[ ()] الرحمة. قوله «قاربوا»، أي لا تفرطوا، فتجهدوا أنفسكم في العبادة، لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال، فتتركوا العمل فتفرطوا.
قوله: «و اغدوا و روحوا و شيئا من الدلجة» المراد بالغدو السير من أول النهار، و بالرواح السير من أول النصف الثاني من النهار، و الدلجة (بضم المهملة و سكون اللام و يجوز فتحها و بعد اللام جيم» سير الليل، يقال: سار دجلة من الليل، أي ساعة، فلذلك قال: شيئا من الدجلة لعسر سير جميع الليل.
فكأنه فيه إشارة إلى صيام جميع النهار، و قيام بعض الليل، و إلى أعمّ من ذلك من سائر أوجه العبادة، و فيه إشارة إلى الحث على الترفق في العبادة، و هو الموافق للترجمة، و عبّر بما يدل على السّير، لأن العابد كالسائر إلى محل إقامته و هو الجنة. و «شيئا» منصوب بفعل محذوف، أي افعلوا.
قوله: «و القصد القصد»، بالنصب على الإغراء، أي الزموا الطريق الوسط المعتدل. (المرجع السابق).
[١] (مسلم بشرح النووي): ١٧/ ١٦٤ باب لن يدخل أحد الجنة بعمله، بل برحمة اللَّه تعالى: حديث رقم (٧١- ٢٨١٦)، قال الإمام النووي: اعلم أن مذهب أهل السنة أنه لا يثبت بالعقل ثواب، و لا عقاب، و لا إيجاب، و لا تحريم، و لا غيرهما من أنواع التكليف، و لا تثبت هذه كلها و لا غيرها إلا بالشرع. و مذهب أهل السنة أيضا أن اللَّه تعالى لا يجب عليه شيء- تعالى اللَّه- بل العالم ملكه، و الدنيا و الآخرة في سلطانه، يفعل فيهما ما يشاء، فلو عذّب المطيعين و الصالحين أجمعين و أدخلهم النار، كان عدلا منه، و إذا أكرمهم و نعّمهم و أدخلهم الجنة، فهو فضل منه، و لو نعّم الكافرين و أدخلهم الجنة، كان له ذلك، و لكنه أخبر و خبره صدق، أنه لا يفعل هذا، بل يغفر للمؤمنين، و يدخلهم الجنة برحمته، و يعذب المنافقين و يدخلهم في النار عدلا منه.
و أما المعتزلة فيثبتون الأحكام بالفعل، و يوجبون ثواب الأعمال، و يوجبون الأصل، و يمنعون خلاف هذا، في ضبط طويل لهم، تعالى اللَّه عن اختراعاتهم الباطلة، المنابذة لنصوص الشرع.
و في ظاهر هذه الأحاديث دلالة لأهل الحق، أنه لا يستحق أحد الثواب و الجنة بطاعته، و أما قوله تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ و تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، و نحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يدخل بها الجنة، فلا يعارض هذه الأحاديث، بل معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال، و الهداية للإخلاص فيها، و قبولها برحمة اللَّه تعالى و فضله، فيصبح أنه لم يدخل بمجرد العمل، و هو مراد الأحاديث، و يصح أنه دخل بالأعمال، أي بسببها، و هي من الرحمة، و اللَّه أعلم. (المرجع السابق).
[٢] (المرجع السابق): ص ١٦٦، حديث رقم (٧٦- (...)).