إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٣٠ - فصل في ذكر اجتهاد رسول اللَّه
[ ()] الأخير، و أن من رحمة اللَّه توفيقه للعمل، و هدايته للطاعة، و كل ذلك لم يستحقه العامل بعمله، و إنما هو بفضل اللَّه و رحمته.
و قال ابن الجوزي: يتحصل عن ذلك أربعة أجوبة: الأول أن التوفيق للعمل من رحمة اللَّه، و لو لا رحمة اللَّه السابقة ما حصل الإيمان، و لا الطاعة التي يحصل بها النجاة. الثاني، أن منافع العبد لسيده، فعمله مستحق لمولاه، فمهما أنعم عليه من الجزاء فهو من فضله.
الثالث، جاء في بعض الأحاديث أن نفس دخول الجنة برحمة اللَّه، و اقتسام الدرجات بالأعمال.
الرابع، أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير، و الثواب لا ينفد، و الإنعام الّذي لا ينفد في جزاء ما ينفذ بالفضل لا بمقابلة الأعمال.
و قال ابن القيم في كتاب (مفتاح دار السعادة): الباء المقتضية للدخول، غير الباء الماضية، فالأولى السببية الدالة على أن الأعمال سبب الدخول المقتضية له، كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها، و الثانية بالمعاوضة، نحو اشتريت منه بكذا، فأخبر أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد، و أنه لو لا رحمة اللَّه لعبده لما أدخله الجنة، لأن العمل بمجرده و لو تناهى لا يوجب بمجرده دخول الجنة، و لا أن يكون عوضا لها، لأنه لو وقع على الوجه الّذي يحبه اللَّه لا يقاوم نعمة اللَّه، بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة، فتبقى سائر نعمه مقتضية لشكرها، و هو لم يوفها حق شكرها، فلو عذّبه في هذه الحالة لعذبه و هو غير ظالم، و إذا رحمه في هذه الحالة، كانت رحمته خيرا من عمله، كما في حديث أبيّ بن كعب، الّذي أخرجه أبو داود و ابن ماجة في ذكر القدر، ففيه: «لو أن اللَّه عذّب أهل سماواته و أرضه لعذبهم و هو غير ظالم لهم، و لو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم».
قال: و هذا فصل الخطاب مع الجبرية الذين أنكروا أن تكون الأعمال سببا في دخول الجنة من كل وجه. و القدرية الذين زعموا أن الجنة عوض العمل و أنها ثمنه، و أن دخولها بمحض الأعمال. و الحديث يبطل دعوى الطائفتين.
قوله: «قالوا و لا أنت يا رسول اللَّه»؟ قال الكرماني: إذا كان كل الناس لا يدخلون الجنة إلا برحمة اللَّه، فوجه تخصيص رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالذكر أنه إذا كان مقطوعا له بأنه يدخل الجنة ثم لا يدخلها إلا برحمة اللَّه، فغيره يكون في ذلك بطريق الأولى.
قوله: «برحمة»،
في رواية أبي عبيد: «بفضل و رحمة»،
وفي رواية الكشميني من طريقه: «بفضل رحمته»،
وفي رواية الأعمش: «برحمة و فضل»،
وفي رواية بشر بن سعيد: «منه برحمة»،
وفي رواية ابن عون: «بمغفرة و رحمة»
قال أبو عبيد: المراد بالتغمد، الستر، و ما أظنه إلا مأخوذا من غمد السيف، لأنك إذا أغمدت السيف فقد ألبسته الغمد و سترته به.
قال الرافعي: في الحديث أن العامل لا ينبغي أن يتكل على عمله في طلب النجاة و نيل الدرجات، لأنه إنما عمل بتوفيق اللَّه، و إنما ترك المعصية بعصمة اللَّه، فكل ذلك بفضله و رحمته.
قوله: «سدّدوا»، في رواية بشر بن سعيد، عن أبي هريرة عند مسلم: «و لكن سدّدوا»، و معناه: اقصدوا السداد، أي الصواب، و معنى هذا الاستدراك أنه قد يفهم من النفي المذكور نفي فائدة العمل، فكأنه قيل: بل له فائدة، و هو أن العمل علامة على وجود الرحمة التي تدخل العامل الجنة، فاعملوا و اقصدوا بعملكم الصواب، أي اتباع السنة من الإخلاص و غيره ليقبل عملكم، فينزل عليكم