إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٢٩ - فصل في ذكر اجتهاد رسول اللَّه
الشمس كورت، و إذا السماء انفطرت، فاستطار [١] فيه القتير [٢] فقال له أبو بكر رضي اللَّه عنه: أسرع فيك القتير [٢]! بأبي أنت و أمي، فقال: شيبتني هود و صواحباتها [٣] هذه، و فيها، و المرسلات.
و خرّج البخاري من حديث أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال:
قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لن ينجى أحدا منكم عمله، قالوا: و لا أنت يا رسول اللَّه؟
قال: و لا أنا، إلا أن يتغمدني اللَّه برحمة، سدّدوا، و قاربوا، و أغدوا، و روحوا، و شيء من الدّلجة، و القصد القصد (تبلغوا) [٤] ذكره في الرقاق [٥]
[ ()] و الصحيح ما رواه أبو سلمة عن حماد عن ثابت. و حميد عن الحسن مرسلا، و رواه ابن مردويه من رواية روح بن عبادة، عن حماد، عن حميد عن أنس موصولا أيضا، و هذه متابعة قوية لمؤمل.
و في الباب عن ربيعة بن عامر بن نجاد، أخرجه الحاكم في (المستدرك): ١/ ٦٧٦، حديث رقم (١٨٣٦/ ٣٦)، و قال: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرّجاه، و فيه رشد بن سعد، و هو ضعيف، و عن ابن عمر أخرجه ابن مردويه، و إسناده ضعيف.
[١] استطار: انتشر و تفرق كأنه طار في نواحيها، و منه استطار الصدع في الحائط إذا انتشر فيه، و استطار البرق إذا انتشر في السماء. (لسان العرب): ٤/ ٥١٣.
[٢] القتير: الشيب (سنن أبي داود): ج ٢ ص ٥٨١، كتاب النكاح، باب في تزويج من لم يولد، و قال في (لسان العرب): القتير: هو الشيب، أول ما يظهر منه، و في الحديث: «و يقرن أيّ النساء هي اليوم؟ قال: قد رأت القتير»، قال الخطابي: يريد بسنّ أيّ النساء هي، و القرن: بنو سنّ واحد، يقال: هؤلاء قرن زمان، و في النهاية: بقرن أي النساء هي؟ أي بسنّ أيتهن؟، قد رأت القتير: كناية عن تجاوزها سنّ التزويج. (عون المعبود): ٣/ ٩٣، (لسان العرب): ٥/ ٧٢.
[٣] لم أقف على حديث شيبتني هود بلفظ (صواحباتها).
[٤] تتمه من البخاري.
[٥]
(فتح الباري): ١١/ ٣٥٥، حديث رقم (٦٤٦٣)، و بعده حديث رقم (٦٤٦٤): «عن عائشة أن رسول
اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «سدّدوا و قاربوا، و اعلموا أن لن يدخل أحدكم عمله الجنة، و أن أحب الأعمال إلى اللَّه أدومها و إن قلّ»
قوله: «ينجي»، أي يخلص، و النجاة من الشيء: التخلص منه، قال ابن بطال في الجمع بين هذا الحديث و قوله تعالى: وَ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ما محصله: أن تحمل الآية على أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب الأعمال، و أن يحمل الحديث على دخول الجنة و الخلود فيها، ثم أورد على هذا الجواب قوله تعالى: سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فصرح بأن دخول الجنة أيضا بالأعمال، و أجاب بأنه لفظ مجمل بينه الحديث، و التقدير:
ادخلوا منازل الجنة و قصورها بما كنتم تعملون، و ليس المراد بذلك أصل الدخول.
و قال القاضي عياض: طريق الجمع أن الحديث فسّر ما أجمل في الآية، فذكر نحوا من كلام ابن بطال