إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٢٣٦ - و أما حلمه و صفحه
انتهرني و لا عبس في وجهي، و لا أمرني بأمر فتوانيت فيه فعاتبني عليه، فإن عاتبني أحد من أهله
قال: دعوه فلو قدّر شيء كان.
و قد تقدم حديث أنس هذا، و لكن أوردته لما في حديث ابن حبان هذا من الزيادة المفيدة.
و له أيضا من حديث الوليد بن مسلم قال: حدثنا محمد بن حمزة بن يوسف قال: حدثني أبي عن جدي قال: قال عبد اللَّه بن سلام: إن اللَّه عز و جل أراد هدي زيد بن سعنة [١]، قال: زيد: ما من علامات النبوة شيء إلا قد عرفته في وجه محمد سوى اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، و لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فكنت أنطلق إليه لأخالطه و أعرف حلمه، فخرج يوما و معه علي ابن أبي طالب، فجاءه رجل كالبدوي فقال: يا رسول اللَّه، إن قرية بني فلان أسلموا، و حدثتهم أنهم إن أسلموا أتتهم أرزاقهم رغدا، و قد أصابتهم سنة و شدّة، و إني مشفق عليهم أن يخرجوا من الإسلام، فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء يعينهم، قال زيد بن سعنة، فقلت، أنا أبتاع منك بكذا و كذا وسقا، فأعطيته ثمانين دينارا فدفعها إلى الرجل و قال: اعجل عليهم بها فأعنهم، فلما كان قبل المحل بيوم أو يومين أو ثلاث، خرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى جنازة في نفر من أصحابه، فجبذت رداءه جبذة شديدة حتى سقط عاتقه، ثم أقبلت بوجه جهم غليظ فقلت:
ألا تقضيني يا محمد، فو اللَّه ما علمتكم يا بني عبد المطلب لمطل، فارتعدت فرائص عمر بن الخطاب كالفلك المستدير، ثم أومى ببصره إليّ و قال، أي عدوّ اللَّه! أ تقول هذا لرسول اللَّه و تصنع به ما أرى و تقول ما أسمع؟ فو الّذي بعثه بالحق لو لا ما أخاف فوته لسبقني رأسك، و
رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ينظر إلى عمر في تؤدة و سكون، ثم تبسم و قال: لأنا أحوج إلى غير هذا: أن تأمرني بحسن الأداء و تأمره بحسن اتباعه، اذهب يا عمر فاقضه حقه و زده عشرين صاعا من تمر،
فقلت: ما هذا؟ قال أمرني رسول اللَّه أن أزيدك و كان ما دعتك: فقلت: أ تعرفني يا عمر؟ قال: لا فمن أنت؟ قلت: أنا زيد بن سعنة، قال: الحبر؟ قلت الحبر، قال: فما دعاك إلى أن تفعل برسول اللَّه ما فعلت و تقول له ما قلت؟ قلت: يا عمر، إنه لم يبق من علامات النبوّة شيء إلا و قد عرفته في وجه رسول اللَّه حين نظرت إليه إلا اثنتان لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، و لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فقد
[١] في (خ) «ثعنة» و التصويب من المرجع السابق ج ١ ص ٦٣.