إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ١٩٩ - أما حسن خلقه
[ ()] قصّ جناح الطائر و حبسه في القفص. [٤٦] و فيه دليل على أن رجلا لو اصطاد صيدا خارج الحرم ثم أدخل الحرم، لم يكن عليه إرساله، و ذلك لأن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حرّم الاصطياد بين لابتي المدينة، و أجاز لأبي عمير إمساكه فيها.
و كان ابن الزبير يفتي بإمساك ذلك، و من حجته فيه: أن من اصطاد صيدا ثم أحرم و هو في يده، فعليه إرساله، فكذلك إذا اصطاد في الحل ثم أدخله الحرم.
و فرّق الشافعيّ بين المسألتين كما وصفنا، فقال: من اصطاد ثم أحرم و الصيد في ملكه فعليه إرساله، و من اصطاده ثم أدخله الحرم فلا إرسال عليه. [٤٧] و في
قوله: «ما فعل النغير؟»،
دليل على جواز تصغير الأسماء كما صغّر النغيرة، و كذلك المعنى في قوله: كان ابن لأبي طلحة يكنى أبا عمير.
[٤٨] و كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا مازحه بذلك يبكي، ففي ذلك دليل على أن
قول النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في حديث آخر: «إذا بكى اليتيم اهتز العرش»،
ليس على العموم في جميع بكائه، و ذلك أن بكاء الصبي على ضربين: أحدهما: بكاء الدلال عند المزاح و الملاطفة، و الآخر: بكاء الحزن أو الخوف عند الظلم أو المنع عما به إليه الحاجة، فإذا مازحت يتيما أو لاطفته فبكى، فليس في ذلك- إن شاء اللَّه تعالى- اهتزاز عرش الرحمن. [٤٩] و قد زعم بعض الناس أن الحكيم لا يواجه بالخطاب غير العاقل. و قال بعض أصحابنا، ليس كذلك، بل صفة الحكيم في خطابه أن لا يضع الخطاب في غير موضعه، و كان في هذا الحديث كذلك دليل، ألا ترى
أنه (صلى اللَّه عليه و سلم) واجه الصغير بالخطاب عند المزاح فقال: «يا أبا عمير ما فعل النّغير؟»،
و لم يواجه بالسؤال عند العلم و الإثبات، بل خاطب غيره،
فقال: «ما بال أبي عمير؟».
[٥٠] و فيه دليل على أن للعاقل أن يعاشر الناس على قدر عقولهم و لا يحمل الناس كلهم على عقله. [٥١] و في نومه (صلى اللَّه عليه و سلم) عندهم دليل على أن عماد القسم بالليل، و أن لا حرج على الرجل في أن يقيل بالنهار عند امرأة في غير يومها. [٥٢] و فيه دليل على سنة القيلولة. [٥٣] و في دليل على خلاف ما زعم بعضهم في أدب الحكام أن نوم الحكام و الأمراء في منزل الرعية- و نحو ذلك من الأفعال- دناءة تسقط مروءة الحكام. [٥٤] و في نومه على فراشها دليل على خلاف قول من كره أن يجلس الرجل في مجلس امرأة ليست له بمحرم أو يلبس ثوبها و إن كان على تقطيع الرجال. [٥٥] و فيه أنه يجوز أن يدخل المرء على امرأة في منزلها و زوجها غائب و إن لم تكن ذات محرم له. [٥٦] و في نضح البساط له و نومه على فراشها دليل على إكرام الزائر. [٥٧] و فيه أن التّنعّم الخفيف غير مخالف للسنة. و أن قوله: «كيف أنعم و صاحب الصور قد التقم القرن و أصغى بسمعه»، ليس على العموم إلا فيما عدا التنعم القليل. [٥٨] و فيه دليل على أنه ليس بفرض على المزور أن يشيّع الزائر إلى باب الدار- كما أمر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بتشييع الضيف إلى باب الدار- إذ لم يذكر في هذا الحديث تشييعهم له إلى الباب. [٥٩] و قد اختلف أهل العلم في تفسير ما ذكر من صفة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في حديث هند بن أبي هالة: كانوا إذا دخلوا عليه لا يفترقون إلا عن ذواق: قال بعضهم: أراد به الطعام. و قال بعضهم:
أراد به ذواق العلم. ففي تفسير هذا الحديث، الدليل على تأويل من تأوّله على ذواق العلم، إذ قد أذاقهم العلم و لم يذكر فيه ذواق الطعام. [٦٠] و كان من صفته (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه يواسي بين جلسائه، حتى يأخذ منه كل بحظ، و كذلك فعل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في دخوله على أم سليم: صافح أنسا، و مازح أبا عمير الصغير، و نام على فراش أم سليم، حتى نال الجميع من بركته (صلى اللَّه عليه و سلم)، و زاد على الستين فقال:
[٦١] و إذا كان طلب العلم فريضة على كل مسلم، فأقل ما في تحفّظ طرقه أن يكون نافلة، و فيه أن قوما أنكروا خبر الواحد و اختلفوا فيه: فقال بعضهم بجواز خبر الاثنين قياسا على الشاهدين، و قال