المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٤ - ٣٦٥١- عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار، أبو يوسف القزويني
الخرقي المحتسب أن يؤدب كل من فتح دكانه يوم الجمعة و يغلقه يوم السبت من البزازين و غيرهم، و قال: هذه مشاركة لليهود في حفظ سبتهم. و كان قد سمع أن النفاطين و الكلابزية يقفون على دكاكين [١] المتعيشين فيأخذون منهم كل أسبوع شيئا، فنفذ من يمنعهم من الاجتياز بهم. و حج في وزارته سنة ثمانين، فبذل في طريقه الزاد و الأدوية، و عمّ أهل الحرمين بصدقات، و ساوى الفقراء في إقامة المناسك و التعبد، و كانت به وسوسة في الطهارة.
قال المصنف رحمه اللَّه: و نقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل أنه كتب إليه لأجل وسوسته: أما بعد، فإن أجلّ محصول عند العقلاء بإجماع الفقهاء الوقت، فهو غنيمة ١٢/ أ ينتهز فيها الفرص [٢]، و التكاليف كثيرة، و الأوقات خاطفة، و أقل متعبد به/ الماء، و من اطلع على أسرار الشريعة علم قدر التخفيف، فمن ذلك قوله: «صبوا على بول الأعرابي ذنوبا من ماء» [٣] و قوله في المني: «أمطه عنك بأذخرة» و قوله في الخف: «طهوره ان تدلكه بالأرض» و في ذيل المرأة: «يطهره ما بعده» [٤] و قوله (عليه السلام): «يغسل بول الجارية و ينضح بول الغلام» [٥] و كان يحمل بنت أبي العاص في الصلاة، و نهى الراعي عن إعلام السائل له عن الماء، و ما يرده و قال: «ائت لنا طهورا» و قال: «يا صاحب البراز لا تخبره» فإن خطر بالبال نوع احتياط في الطهارة كالاحتياط في غيرها من مراعاة الإطالة و غيبوبة الشمس و الزكاة، فإنه يفوت من الأعمار ما لا يفي به الاحتياط في الماء، الّذي أصله الطهارة و قد صافح رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم الأعراب، و ركب الحمار، و ما عرف من خلقه التعبد بكثرة الماء الّذي أصله الطهارة و قد توضأ من سقاية المسجد، و معلوم حال الأعراب الذين بان من أحدهم الإقدام على البول في المسجد، و توضأ من جرة نصرانية، و ما احترز تعليما لنا و تشريعا و إعلاما أن الماء على أصل الطهارة، و توضأ من
[١] في الأصل: «الكلابزية يقفوا».
[٢] في ص: «ينتهز فيها الغرض».
[٣] راجع تلخيص الحبير ١/ ٣١.
[٤] أخرجه أبو داود في السنن ٣٨٣، و الترمذي ١٤٣، و ابن ماجة ٥٣١، و أحمد بن حنبل ٦/ ٢٩٠، و البيهقي في السنن ٢/ ٤٠٦، و سنن الدارميّ ١/ ١٨٩، و مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٥٦.
[٥] أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١٤٨٨.