المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٥ - ٣٦٥١- عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار، أبو يوسف القزويني
غدير كان ماؤه نقاعة الحناء، فأما قوله: «تنزهوا من البول» [١] فإن للتنزه حدا معلوما، فأما الاستشعار فإنه إذا علق نما و انقطع الوقت بما لا يقتضي بمثله الشرع.
قال ابن عقيل: كان الوزير أبو شجاع كثير البر للخلق، كثير التلطف بهم، فقدم من الحج و قد اتفق نفور العوام نفورا أريقت فيها الدماء، و انبسط حتى هجموا على الديوان، و بطشوا بالأبواب و الستور، فخرج من الخليفة إنكار عليه، و أمره أن يلبس أخلاق السياسة لتنحسم مادة الفساد، فأدّب و ضرب و بطش، فانبسطت فيه الألسنة بأنواع التهم، حتى قال قوم: ها هو إسماعيلي و هبط عندهم ما تقدم من إحسانه. قال ابن عقيل: فقلت لنفسي: أفلس من الناس كل الإفلاس، و لا تثقي/ بهم، فمن يقدر ١٢/ ب على إحسان هذا اليهم و هذه أقوالهم عنه. قال ابن عقيل: و قد رأيت أكثر أعمال الناس لا يقع إلا للناس إلا من عصم اللَّه من ذاك، إني رأيت في زمن أبي يوسف [٢] كثيرا من أهل القرآن و المنكرون لإكرام أصحاب عبد الصمد، و كثر متفقهة الحنابلة، و مات فاختل ذلك فاتفق ابن جهير، فرأيت من كان يتقرب إلى الشيخ بالصلاح يتقرب إلى ابن جهير برفع أخبار العاملين [٣]، ثم جاءت الدولة النظام، فعظم الأشعرية، فرأيت من كان يتسخط علي بنفي التشبيه غلوا في مذهب أحمد، و كان يظهر بغضي يعود [عليّ] [٤] بالغمض علي الحنابلة، و صار كلامه ككلام رافضي وصل إلى مشهد الحسين فأمن و باح، و رأيت كثيرا من أصحاب المذاهب انتقلوا و نافقوا، و توثّق بمذهب الأشعري و الشافعيّ طمعا في العز و الجرايات، ثم رأيت الوزير أبا شجاع يدين بحب الصلحاء و الزّهاد، فانقطع البطالون إلى المساجد، و تعمد خلق للزهد، فلما افتقدت ذلك قلت لنفسي: هل حظيت من هذا الافتقاد بشيء ينفعك؟ فقالت البصيرة: نعم، استفدت أن الثقة خيبة، فالغنى بهم إفلاس و ليس ينبغي [٥] أن يعول على غير اللَّه.
[١] أخرجه الدار الدّارقطنيّ في سننه ١/ ١٢٧، و راجع نصب الراية ١/ ١٢٨.
[٢] في الأصل: «في زمن ابن يوسف».
[٣] في ص: «كان يتقرب إلى ابن جهير يرفع أخبار العاملين».
[٤] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.
[٥] في ص: «و لكن ينبغي».