المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٣ - باب ذكر خلافة المستظهر باللَّه
تكاثر في يوم الأحد، ثم زاد يوم الإثنين، فوقّع الوزير إلى أرباب المناصب بالحضور، فحضر طراد بن محمد من باب البصرة في الزمرة العباسية مظهرين شعار المصيبة، و جاء/ نقيب الطالبيين المعمر على مثل ذلك في زمرة العلويّة، فضجّ الناس بالبكاء، ٦/ أ ثم أظهر موت المقتدي بعد ثلاثة أيام، و ذلك يوم الثلاثاء ثامن عشر المحرم، فأخرج في تابوت و صلى عليه المستظهر، و لم يحضر السلطان بل حضر أعيان دولته، و أرباب المناصب، و أهل العلم مثل الغزالي، و الشاشي، و ابن عقيل، فبايعوه و كان المتولي لأخذ البيعة على الكل الوزير أبو منصور بن جهير.
و كان المستظهر كريما فحكى أبو الحسن المخزني قال: أخرج إلينا من الدار أربع عشرة جبة طلساء قد تدنست أزياقها تزيد قيمتها على خمسمائة دينار، فسلمها إلى مطري، و ظننت أن كتّاب المخزن قد أثبتوها، و لم تطلب مني و لا ذكرت بها، و اتصلت أشغالي و مضى على هذا حدود من ثلاث سنين، فخرج إلينا من طلب الجباب، فأنكرت الحال، و قلت: متى كان هذا و في أي وقت؟ فذكروني الوقت و من جاء بها، فتذكرت و ما علمت إلى من سلمتها، فاستدعيت كل مطري جرت عادته بخدمة المخزن فحضروا و فيهم الّذي سلمتها إليه، فتأملته و قد استحال لونه، فقلت له: أين الجباب؟ فلم ينطق، فعاودته فسكت، فأمرت بضربه فقال: أصدقك، لما أصلحت الجباب لم تلتمس مني، و بقيت سنة و عملت بعدها أعمالا كثيرة للمخزن، و ما ذكرت لي فعلمت أنها قد نسيت، و كان عليّ دين، فبعت واحدة، ثم مضى زمان فلم تطلب فبعت أخرى، ثم أخرى، إلى أن بقي عندي منها ست جباب فبعتها جملة و جهّزت ابنة لي، و اللَّه ما في يدي منها خيط [١]، و لا من ثمنها حبة، و ما لي سوى ثمن دويرة البنت و الرحل الّذي جهّزتها به، فقلت: ويلك/، خاطرت بدمي، و عرّضتني للتهمة، و دخلت على أبي القاسم بن ٦/ ب الحصين صاحب المخزن، فعرّفته فتقدم بتقييده و حمله إلى الحبس، ثم طولع المستظهر بالحال، و ترقب أن يتقدم بقطع يده إظهارا للسياسة، فوقع أن أمر بالجواب:
كانت المقابلة لمن فرضه الحفظ إذ فرّط، فالذنب للراعي إذ نعس لا للذئب إذ اختلس [٢]، و الّذي انصرف فيه ثمن الثياب أنفع لأربابها منها، فليخلّ سبيل هذا، و لا
[١] في الأصل: «و اللَّه ما في بيتي منها خيط».
[٢] في الأصل: «لا المذنب إذ اختلس».