المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٣٤ - ثم دخلت سنة عشرين و خمسمائة
جاهلة بمعادها أو هي عصية [١] عن استعدادها، هيهات هيهات كم اخترمت المنية قبلكم، و ساقت إلى الأرماس من كان أشد منكم و مثلكم، سلبتهم أرواحهم و قطعتهم افراحهم و لم تخف جيوشهم و لا سلاحهم طالما أفنت أمما و استزلت قدما، و أمطرت ١٠٠/ أ عليهم من الفناء ديما، و رمتهم من البلاء أسهما/ و حرمتهم من الآمال مغنما، و حملتهم من الأثقال مغرما، [٢] و لم تراع فيهم محرما ذلوا بعد أن عزوا في دنياهم، و سادوا و جروا الجيوش إلى الأعداء و قادوا فعاد مطلقهم مأسورا و قائدهم بالشقاوة مقهورا، [٣] قد عدموا نورا و سرورا فيا أسفا لهم ضيعوا زمنا و ما اكتسبوا حسنا، كيف بهم إذا نشرت الأمم و أعيدت إلى الحياة الرمم، و نزل بذي الذنوب الألم، و ظهر من أهل التقصير الأسف و الندم، ذلك يوم لا يرحم فيه من شكا، و لا يعذر من بكى، و لا يجد الظالم لنفسه مسلكا، يوم يشتد فيه الفراق و يتزايد فيه القلق، و تثقل على أهلها الأوزار، و تلفح وجوه العصاة النار، و تذهل المرضعات، و تعظم التبعات، و تظهر الآيات، و تكاشف البليات، و لا يقال فيه من ندم، و لا ينجو من عذاب اللَّه إلّا من رحم، و اعلموا عباد اللَّه أن يومكم هذا يوم شرفه اللَّه بتشريفه القديم، و ابتلى فيه خليله إبراهيم بذبح ولده إسماعيل، [و فداه بذبح عظيم] [٤]، و سن فيه النحر و جعله شعارا للسنة إلى آخر الدهر: «لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَ بَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ» [٥] البدنة عن سبعة، و البقرة عن سبعة، و الجذع من الضأن، و الثني من المعز عن واحد «فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْقانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» [٦].
ثم جلس بين الخطبتين، ثم قام إلى الثانية فحمد اللَّه و كبر، و صلى [٧] على النبي صلى اللَّه عليه و آله
[١] في ص، ط: «بمعادها أو هي عفية».
[٢] في ص، ط: «و حملتهم من الأنفال مغرما».
[٣] في ط: «و قائدهم بالشقاوة مشهورا».
[٤] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.
[٥] سورة: الحج، الآية: ٣٧.
[٦] سورة: الحج، الآية: ٣٦.
[٧] في الأصل: فحمد اللَّه و كبر بين الخطبتين».