المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٠٩ - استدعاء علي بن طراد إلى باب الحجرة
و قال: إن حال ابن مزيد قد عظمت، و قد قلت فكرته في أصحابك، و قد استبد بالأموال، و أهمل الحقوق و لو نفذت بعض أصحابك ملكته، و وصلت إلى أموال كثيرة عظيمة، و طهرت الأرض من أدناسه فإنه لا يسمع ببلده آذان و لا قرآن و هذه المحاضر باعتقاده و الفتاوى بما يجب عليه و هذا سرخاب قد لجأ إليه و هو على رأيه في بدعته التي هي مذهب الباطنية، و كان قد اتفقا على قلب الدولة و إظهار مذهب الباطنية، [١] و كان السلطان قد تغير على سرخاب، فهرب منه إلى الحلة فتلقاه بالإكرام فراسله السلطان و طالبه بتسليمه [٢]، فقال: لا أفعل و لا أسلم من لجأ إلي، ثم قال لأولاده و أصحابه بهذا الرجل الّذي قد لجأ إلينا تخرب بيوتنا و تبلغ الأعداء منا المراد، و كان كما قال، فإن السلطان قصده فاستشار أولاده، فقال دبيس: هذا الصواب أن تسلم إلى مائة ألف دينار و تأذن لي في الدخول إلى الاصطبلات، فأختار منها ثلاثمائة فرس و تجرد معي ثلاثمائة فارس فإنّي أقصد باب السلطان و أعتذر عنك و أزيل ما قد ثبت في نفسه منك، و أخدمه بالمال و الخيل، و أقرر معه أن لا يتعرض بأرضك، فقال بعض الخواص: الصواب أن لا تصانع من تغيرت فيك نيته، و إنما ترد بهذه الأموال من يقصدنا، فقال صدقة: هذا هو الرأي، فجمع عشرين ألفا من الفرسان، و ثلاثين ألفا من الرجالة، و جرت الوقعة على ما سبق في كتابنا في/ حوادث تلك السنة، و ذكرنا أن الخليفة بعث إلى صدقة ليصلح ما ٨٧/ ب بينه و بين السلطان فأذعن ثم بدا له، و قد ذكرنا مقتله.
ثم نشأ له دبيس هذا ففعل القبائح، و لقي الناس منه فنون الأذى، و بشؤمه بطل الحج في هذه السنة لأنه كان قد وقعت وقعة بينه و بين أصحابه و أهل واسط، فأسر فيها مهلهل الكردي، و قتل فيها جماعة، و نفد المسترشد إليه يحذره من إراقة الدماء، [٣] و يأمره بالاقتصار على ما كان لجده من البلاد، و يشعره بخروجه إليه إن لم يكف، فزاد في طغيانه و تواعد و أرعد، و أقبلت طلائعه فانزعج أهل بغداد، فلما كانت بكرة الثلاثاء ثالث شوال صلب البرسقي تسعة أنفس، ذكر أنهم من أهل حلب و الشام، و أن دبيس بن
[١] «و كان ... و إظهار مذهب الباطنية»: العبارة ساقطة من ص.
[٢] في الأصل: «و طالبه التسلم له».
[٣] في ط: «و نفذ المسترشد إليه ينذره من اراقة الدماء».