المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٣ - ٣٦٥١- عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار، أبو يوسف القزويني
أحب الأشياء إليّ الدينار و الخط الحسن، فأنا أخرج للَّه محبوبي. و وقع مرض في زمانه، فبعث إلى جميع أصقاع البلد أنواع الأشربة و الأدوية، و كان يخرج العشر من جميع أمواله النباتية على اختلاف أنواعه، و عرضت عليه رقعة من بعض الصالحين يذكر فيها: أن امرأة معها أربعة أطفال أيتام، و هم عراة جياع. فقال للرجل: امض الآن إليهم، و احمل معك ما يصلحهم، ثم خلع أثوابه و قال: و اللَّه لا لبستها و لا دفئت حتى تعود و تخبرني أنك كسوتهم و أشبعتهم، فمضى و عاد فأخبره و هو يرعد من البرد.
حكى حاجبه الخاص به قال: [استدعاني ليلة، و قال:] [١] إني أمرت بعمل قطائف، فلما حضر بين يدي ذكرت نفوسا تشتهيه فلا تقدر عليه، فنغّص ذلك عليّ أكله، و لم أذق منه/ شيئا، فأحمل هذه الصحون إلى أقوام فقراء. فحملها الفرّاشون ١١/ ب معه، و جعل يطرق أبواب المساجد بباب المراتب، و يدفع ذلك إلى الأضراء المجاورين بها.
و كان يبالغ في التواضع، حتى ترك الاحتجاب فيكلم المرأة و الطفل، و أوطأ العوام و الصالحين مجلسه، و كان يحضر الفقهاء الديوان في كل مشكل، و كانوا إذا أفتوا في حق شخص بوجوب حق القصاص عليه سأل أولياء الدم أخذ شيء من ماله و أن يعفوا، فإن فعلوا و إلا أمر بالقصاص، و أعطى ذلك المال ورثة المقتول الثاني، و لقد جرت منه عصبية مرة في ليل الغيم فأمر ابن الخرقي المحتسب أن يجلس بباب النوبي و يكرم الناس بالإفطار، و أحضر أطباقا فيها لوز و سكر، و بعث إلى أبي إسحاق الخزاز بباب المراتب ليمنعه من صلاة التراويح تلك الليلة فلم يمتنع ذلك و قرأ «أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى» [٢] فعدّد في هذا الشهر أن صام الناس ثمانية و عشرين يوما فأسقط في يده و ذبح البقر، و صدّق بصدقات وافرة، و عاهد اللَّه سبحانه أن لا يتعصب في الفروع أبدا.
و في زمانه أسقطت [٣] المكوس، و ألبس أهل الذمة الغيار، و تقدم إلى ابن
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.
[٢] سورة: العلق، الآية: ٩.
[٣] في الأصل: «و في زمانه سقطت».