المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٤٢ - ثم دخلت سنة احدى و عشرين و خمسمائة
رباط بهروز و تعرضوا للمتصوفة، و هرب أصحاب السلطان و قتل منهم عدة وافرة في الدروب و المضايق، و بقي الخليفة و الوزير بالجانب الغربي حتى نقلت الحرم و الرحل الّذي كانوا أودعوه في الحريم الطاهري و دار العميد، ثم عبر الخليفة إلى داره يوم السبت سابع المحرم و معه العساكر، و حفروا الخنادق ليلا عند أبواب الدروب و المسالك، و رتب على أبواب المحال من يحرسها من ورود أصحاب السلطان، فبقي القتال على هذا أياما، و جاء من عسكر السلطان خلق كثير فخرج إليهم الوزير و النقيب و العسكر، فغدر أبو الفتح ابن ورام في جماعة معه و انتقلوا إلى العسكر السلطاني، فلما كان يوم عاشوراء انقطع القتال و ترددت الرسل و لان الأمر، و قال السلطان: أريد أن ١٠٤/ أ تبعث لي من يحلفني، و أنفذ بعد ذلك وزيري ليستوثق لي،/ فمال الخليفة الى الصلح، فبعث قاضي القضاة الزينبي، و إسماعيل الصوفي و نيفا و ثلاثين شاهدا من المعدلين، فاحتبسهم ستة أيام، فقال الناس: قد قبض عليهم، و يئس الناس من الصلاح، و حفرت الخنادق، و سدت العقود، و سلم كل قطر من بغداد إلى شحنة، و أجفل أهل الجانب الغربي خوفا لكونهم سبوا السلطان و شتموه، و كانوا يقولون: يا باطني لما لم تقدر على غزو الروم جئت تغزو الخليفة و المسلمين، و دخل برنقش الزكوي على السلطان فأغراه بالناس فنفر السلطان، و قال: أنت تريد أن أنهب المسلمين و أغير القبلة، ثم تقدم من وقته إلى الوزير، و قال: أحضر الجماعة، فأحضروا وقت المغرب فصلى قاضي القضاة بالسلطان المغرب و سلم عليه، فأذن له في الجلوس، و قرأ عليه مكتوب الخليفة فقام قائما و قبل الأرض و قال: سمعا و طاعة لأمير المؤمنين، و لم يخالف في شيء مما اقترح عليه و حلف، فعادوا بطيبة القلب و أصبح الناس مطمئنين، و فتحت العقود، و طمت الخنادق، و دخل أصحاب السلطان إلى البلد و هم [١] يقولون:
نحن منذ ثلاثة أيام ما أكلنا الخبز، و لو لم يقع الصلح متنا جوعا، و كان الخبز في معسكرهم كل منا بدانق و لم يوجد، و كانوا يسلقون الطعام في الماء ثم يأكلونه، و كان السعر في الحريم رخيصا، فما رئي سلطان قط حاصر بلدا فكان هو المحاصر إلّا هذا، و ظهر من السلطان حلم وافر عن العوام.
[١] «و هم»: ساقطة من ص، ط، و المطبوعة.