المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢١٨ - نقض دار علي بن أفلح
من الديوان إلى ابن الرطبي فأحضر أبو الفرج قاضي باب الأزج، و أمر أن يجبي العقار لبناء السور، و ابتدئ بأصحاب الدكاكين فقلق الناس لذلك فجمع من ذلك مال كثير ثم أعيد على الناس، فكثر الدعاء للخليفة و أنفق عليه من ماله، و كان قد كتب القاضي أبو العباس ابن الرطبي إلى المسترشد قصة يقول فيها: «الخادم أدام اللَّه ظل المواقف المقدسة طالع بما يعتقد إن أداه أدى حق النعمة عليه، و إن كتمه كان مقصرا في تأدية ما يجب عليه و عالما أن اللَّه يسأله عنه، فلو فرض في وقته قضاء شخص يقول له يا أحمد بن سلامة قد خدمت العلم منذ الصبى حتى انتهيت الى سن الشيوخ، و طول العمر في خدمة العلم نعمة مقرونة بنعمة و خدمت إمام العصر خدمة زال عنها الارتياب عنده فيما تنهيه، و عرفت بحكم مخالطتك لأبناء الزمان أن الناصح قليل و المشفق نادر، [١] و هو أدام اللَّه أيامه بنجوة عما تتحدث به الرعية لا تصل إليه حقائق الأحوال إلّا من جانب/ ٩٢/ أ مخصوص، فما عذرك عند اللَّه في كتمانك و لست ممن يراد و أمثالك إلّا لقول حق و إيراد صدق لا لعمارة و لا لجمع مال، فلم يجد لنفسه جوابا يقوم عذره عنده فكيف عند اللَّه تعالى، و هذا الوقت الّذي قد تجدد فيه من يتوهم أنه على شيء في خدمة و اثارة مال من جباية يغرر بنفسه مع اللَّه تعالى و بمجد مولانا و أولى الأوقات باستمالة القلوب و اذاعة الصدقات و اعمال الصالحات هذا الوقت و حق اللَّه يا مولانا ان الّذي تتحدث به الناس فيما بينهم [٢] من ان أحدهم كان يعود من معيشته و يأوي الى منزلة فيدعو بالنصر و الحفظ للدولة قد صاروا يجتمعون في المساجد و الأماكن شاكين مما قد التمس منهم، و يقولون كنا نسمع ان في البلد الفلاني مصادرة فنعجب و نحن الآن في كنف الإمامة المعظمة نشاهد و نرى، و الناس بين محسن الظن و مسيء، و المحسن يقول: ما يجوز أن يطلع أمير المؤمنين على ما يجري فيقر عليه، و المسيء الظن يقول: الفاعل لهذا أقل ان يقدم عليه إلا عن علم و رضا، و قد كاد كل ذي ولاء و شفقة يضل و يتبلد، و في يومنا هذا حضر عند الخادم شيخ فقيه يعرف بإسماعيل الأرموي و الخادم يذكر الدرس، فقال:
ليبك على الإسلام من كان باكيا
[١] في ص، ط: «الناصح قليل و الشفق فأكثر».
[٢] في ص، ط: «الّذي تتحدث به العوام».