المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٨١ - ٣٨٨٢- علي بن عقيل بن محمد بن عقيل، أبو الوفاء الفقيه فريد دهره و إمام عصره
عما اعتقد أنه الحق، فأوذيت من أصحابي حتى طل الدم، و أوذيت من دولة النظام بالطلب و الحبس، فيا من خسرت الكل لأجله لا تخيب ظني فيك، و عصمني اللَّه من عنفوان الشبيبة بأنواع من العصمة، و قصر محبتي على العلم و أهله، فما خالطت ملعابا و لا عاشرت إلّا أمثالي من طلبة العلم.
و افتى ابن عقيل و درس، و ناظر الفحول، و استفتي في الديوان في زمن القائم في زمرة الكبار، و جمع علوم الأصول و الفروع، و صنف فيها الكتب الكبار، و كان دائم الاشتغال بالعلم حتى إني رأيت بخطه: أني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة و مناظرة، و بصري عن مطالعة أعمل فكري في حال [١] راحتي و أنا مستطرح، فلا أنهض إلّا و قد خطر لي ما أسطره، و إني لأجد من حرصي على العلم و أنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده و أنا ابن عشرين.
و كان له الخاطر العاطر و البحث عن الغوامض و الدقائق، و جعل كتابه المسمى «بالفنون» مناظرا لخواطره و واقعاته، و من تأمل واقعاته فيه عرف غور الرجل، و تكلم على المنبر بلسان الوعظ مدة، فلما كانت سنة خمس و سبعين/ و أربعمائة جرت فيها فتن بين ٧٤/ ب الحنابلة و الأشاعرة فترك الوعظ و اقتصر على التدريس، و متعه اللَّه بسمعه و بصره و جميع جوارحه.
قال المصنف: و قرأت بخطه، قال: «بلغت لاثنتي عشرة سنة و أنا في سنة الثمانين و ما أرى نقصا في الخاطر و الفكر و الحفظ و حدة النظر و قوة البصر لرؤية الأهلة الخفية إلّا أن القوة بالإضافة إلى قوة الشبيبة و الكهولة ضعيفة».
و كان ابن عقيل قوي الدين، حافظا للحدود، و مات ولدان له فظهر منه من الصبر ما يتعجب منه، و كان كريما ينفق ما يجد فلم يخلف سوى كتبه و ثياب بدنه فكانت بمقدار كفنه و قضاء دينه، و كان إذ طال عمره يفقد القرناء و الاخوان. [٢]
قال المصنف رحمه اللَّه: فقرأت بخطه: رأينا في أوائل أعمارنا أناسا طاب العيش
[١] في الأصل: «أعملت فكري».
[٢] في الأصل: «طال عمره لفقدان القرناء و الإخوان».