المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٩٦ - وقوع أمطار عظيمة
و تولى إفاضة ذلك عليه صاحب المخزن و إقبال و نظر، و في الساعة التي كان مشتغلا فيها بلبس الخلع كان الوزيران قائمين بين يدي الخليفة يحضران الأمراء أميرا أميرا فيخدم و يعرف خدمته فيقبل الأرض و ينصرف، ثم عاد السلطان و أخوه فمثلا بين يدي الخليفة و على محمود الخلع السبعة و الطوق و التاج و السواران فخدما و أمر الخليفة بكرسي فجلس عليه السلطان، و وعظه الخليفة و تلا عليه قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [١]، و أمره بالإحسان إلى الرعية، ثم أذن للوزير أبي طالب في تفسير ذلك عليه، ففسره و أعاد عنه أنه قال: وفقني اللَّه لقبول أوامر مولانا أمير المؤمنين و ارتسامها، فالسعادات معها متيسرة. و هي بالخيرات مبشرة، و سلم الخليفة إلى الوزيرين سيفين و أمرهما أن يقلدا بهما السلطان، فلما فعلا قال له: اقمع بهما الكفار و الملحدين.
و عقد الخليفة بيده لوائين حملا معه، و خدم، ثم خرج فقدم إليه في صحن الدار ٨١/ أ فرس من مراكب/ الخليفة بمركب حديد صيني و قيد بين يديه أربعة أفراس بمراكب ذهب، و أذن الخليفة بعد ذلك لأرباب الدولة و أهل العلم و الأشراف و العدول، و عرفه الوزير رجلا رجلا منهم، و الخليفة ملتفت إليه مصغ إلى أدعيتهم، معط لكل واحد ما يصلح من النظر إليه و من خطابه، ثم صعد ابن صدقة في اليوم الّذي يلي هذا اليوم في الزبزب إلى السلطان، فتعرف خبره عن الخليفة، و أفاض عليه الملابس التي كانت على الخليفة وقت جلوسه، و انحدر الوزير إلى دار الوزير أبي طالب فخلع عليه، و أطال مقامه عنده و خلوا في مهمات تجارياها.
[وقوع أمطار عظيمة]
و في هذه السنة: وقعت أمطار عظيمة، و دامت و اتصلت بجميع العراق، و أهلكت ما على رءوس النخل و في الشجر من الأرطاب و الأعناب و الفواكه، و ما كان في الصحاري من الغلات، فلما كان انتصاف الليل من ليلة السبت و هي ليلة الحادي و العشرين من كانون الثاني سقط الثلج ببغداد و دام سقوطه إلى وقت الظهر من الغد فامتلأت به الشوارع [٢] و الدروب، و قام نحو ذراع و عمل منه الأحداث صور السباع
[١] سورة: الزلزلة، الآية: ٧، ٨.
[٢] في الأصل: «إلى وقت الغد الظهر و امتلأت به الشوارع». و في ص، ط: «إلى وقت سقوطه من الغد الظهر فامتلأت به الشوارع». و ما أوردناه من ت.