المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٢٦ - ٣٧٩٩- محمد بن محمد بن محمد أبو حامد الغزالي
وظائف العبادات و استدامة الذكر إلى أن جزت تلك العقابت و تكلفت تلك المشاق و ما حصلت ما كنت أطلبه.
ثم أنه نظر في كتاب أبي طالب المكيّ و كلام المتصوفة القدماء فاجتذبه ذلك بمرة عما يوجبه الفقه، و ذكر في كتاب الإحياء من الأحاديث الموضوعة و ما لا يصح غير قليل، و سبب ذلك قلة معرفته بالنقل، فليته عرض تلك الأحاديث على من يعرف، و إنما نقل نقل حاطب ليل.
و كان قد صنف للمستظهر كتابا في الرد على الباطنية، و ذكر في آخر مواعظ الخلفاء، فقال: روي أن سليمان بن عبد الملك بعث إلى أبي حازم ابعث إليّ من إفطارك، فبعث إليه نخالة مقلوة، فبقي سليمان ثلاثة أيام لا يأكل، ثم أفطر عليها، و جامع زوجته فجاءت بعبد العزيز، فلما بلغ ولد له عمر بن عبد العزيز.
و هذا من أقبح الأشياء، لأن عمر ابن عم سليمان، و هو الّذي ولاه فقد جعله ابن ابنه، فما هذا حديث من يعرف من النقل شيئا أصلا.
و كان بعض الناس شغف بكتاب الإحياء فأعلمته بعيوبه، ثم كتبته له فأسقطت ما ٤٨/ ب يصلح إسقاطه/ و زدت ما [يصلح أن] [١] يزاد.
ثم أن أبا حامد عاد إلى وطنه مشتغلا بتعبده، فلما صار الوزارة إلى فخر الملك أحضره و سمع كلامه و ألزمه بالخروج إلى نيسابور، فخرج و درس، ثم عاد إلى وطنه و اتخذ في جواره مدرسة و رباطا للصوفية [٢]، و بنى دارا حسنة، و غرس فيها بستانا، و تشاغل بحفظ القرآن و سمع الصحاح.
سمعت إسماعيل بن علي الموصلي الواعظ يحكي عن أبي منصور الرزاز الفقيه، قال: دخل أبو حامد بغداد فقومنا ملبوسه و مركوبة خمسمائة دينار، فلما تزهد و سافر و عاد إلى بغداد فقومنا ملبوسه خمسة عشر قيراطا.
و حدثني بعض الفقهاء، عن أنوشروان- و كان قد وزر للخليفة-، أنه زار أبا حامد
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.
[٢] في ص: «و رباطأ للمتصوفة».