المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٢٥ - ٣٧٩٩- محمد بن محمد بن محمد أبو حامد الغزالي
و الفروع التي انفرد بحسن وضعها و ترتيبها و تحقيق الكلام فيها، حتى إنه صنف في حياة أستاذه الجويني، فنظر الجويني في كتابه المسمى «بالمنخول»، فقال له: دفنتي و أنا حي هلا صبرت حتى أموت؟ و أراد أن كتابك قد غطى على كتابي، و وقع له القبول من نظام الملك، فرسم له التدريس بمدرسته ببغداد، فدخل بغداد في سنة أربع و ثمانين و درس بها و حضره الأئمة الكبار كابن عقيل و أبي الخطاب، و تعجبوا من كلامه و اعتقدوه فائدة، و نقلوا كلامه في مصنفاتهم، ثم إنه ترك التدريس و الرئاسة، و لبس الخام الغليظ، و لازم الصوم، و كان لا يأكل إلّا من أجرة النسخ، و حج و عاد ثم رحل إلى الشام، و أقام ببيت المقدس و دمشق مدة يطوف المشاهد، و أخذ في تصنيف كتاب «الإحياء» في القدس، ثم أتمه بدمشق إلّا أنه وضعه على مذهب الصوفية، و ترك فيه قانون الفقه، مثل أنه ذكر في محو الجاه، و مجاهدة النفس أن رجلا أراد محو جاهه فدخل الحمام فلبس ثياب غيره ثم لبس ثيابه فوقها، ثم خرج يمشي على مهل حتى لحقوه فأخذوها منه و سمي سارق الحمام.
و ذكر مثل هذا على سبيل التعليم للمريدين قبيح لأن الفقه يحكم بقبح هذا، فإنه متى كان للحمام حافظ و سرق سارق قطع، ثم لا يحل لمسلم أن يتعرض لأمر يأثم الناس به في حقه.
و ذكر أن رجلا اشترى لحما فرأى نفسه تستحيي من حمله إلى بيته فعلقه في عنقه و مشى.
و هذا في غاية القبح/ و مثله كثير ليس هذا موضعه. ٤٨/ أ و قد جمعت أغلاط الكتاب و سميته «إعلام الأحياء بأغلاط الإحياء» [١] و أشرت إلى بعض ذلك في كتابي المسمى «بتلبيس إبليس» مثل ما ذكر في كتاب النكاح أن عائشة رضي اللَّه عنها قالت للنّبيّ صلى اللَّه عليه و سلم: أنت الّذي تزعم أنك رسول اللَّه، و هذا محال، و إنما كان سبب إعراضه فيما وضعه عن مقتضى الفقه أنه صحب الصوفية فرأى حالتهم الغاية، و قال: إني أخذت الطريقة من أبي علي الفارمذي، و امتثلت ما كان يشير به من
[١] في ص: «و سميته أغلاط الإحياء بأغلاظ الأحياء».