المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٣٣ - ثم دخلت سنة عشرين و خمسمائة
فأوصلا الكتاب إليه و عرفا الجواب، و أخبراه بما شاهداه من خروج الخليفة عن داره و كونه في مضاربه بالجانب الغربي، فامتلأ غيظا و استشاط، و أمر بالرحيل إلى بغداد.
و في عاشر ذي الحجة: و هو يوم النحر أمر أمير المؤمنين بنصب خيمة كبيرة و بين يديها خيمة أخرى و مد شقتين من شقاق السرادق من غير دهليز، [١] و نصبوا في صدر الخيمة منبرا عاليا، و حضر خواص الخليفة و وزيره و النقباء و أرباب المناصب و الأشراف و الهاشميون و الطالبيون، و خلق من الوجوه، و أقبل الخليفة و معه ولده الراشد و هو ولي عهده، فوقف إلى جانب المنبر، و صلى بالناس صلاة العيد، و كان المكبرون خطباء الجوامع ابن الغريق و ابن المهتدي و ابن التريكي و غيرهم، فلما فرغ من الصلاة صعد المنبر، و وقف ولي العهد دونه بيده سيف مشهور فابتدأ فقال: «اللَّه أكبر ما سحت الأنواء، و أشرق الضياء، و طلعت ذكاء، و علت على الأرض السماء، اللَّه أكبر ما همع سحاب، و لمع سراب، و أنجح طلاب و سر قادم باياب، اللَّه أكبر/ ما نبت نجم و أزهر، ٩٩/ ب و أينع غصن، و أثمر، و طلع فجر و أسفر و أضاء هلال و أقمر، سبحان الّذي جل عن الأشباه و النظير، و عجز عن تكييف ذاته الفكر و الضمير لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار، و هو اللطيف الخبير، الحمد للَّه ناصر أوليائه و خاذل أعدائه الّذي لا يخلو من علمه مكان و لا يشغله شأن عن شأن، أحمده على تزايد نعمه، و أسأله الزيادة من بره و كرمه، و أشهد أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، شهادة أجعلها لنفسي الوقاء، و أعدها ذخرا ليوم اللقاء، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله بعثه و الكفر ممتد الرواق و قد ضرب بجرانه في الآفاق، فشمر فيه عن ساق و قوم أهل الزيغ و النفاق، صلى اللَّه عليه و على آله الأخيار و أهل بيته الأطهار، و على عمه و صنو أبيه العباس ذي الشرف الشامخ و المجد الباذخ جد أمير المؤمنين أبي الخلفاء الراشدين، و على أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين و سلم، صلاة يزكيهم بها يوم الدين، و تجعلهم في جواره أعلى عليين.
عباد اللَّه قد وضح السبيل لطالبيه و نطق الدليل للراغب فيه و استظهر الحق لظهور معانيه، فما للنفوس راغبة عن رشادها مشمرة عن فسادها مفرطة في إصدارها و إيرادها،
[١] في الأصل: «شقاق السرادق من غير دهليز».