المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٧٧ - ٣٨٨٠- أحمد بن الحسن بن طاهر بن الفتح، أبو المعالي
امتثالا للمراسم، و كنا معه، فقام له الدامغانيّ قياما تاما، و عانقه و اعتذر إليه، و جلسا طويلا يتحدثان، و كان القاضي يقول: تكلم والدي في المسألة الفلانية و اعترض عليه فلان، و تكلم فلان في/ مسألة كذا و كذا و اعترض عليه والدي إلى أن ذكر عدة مسائل،/ ٧١/ ب فقال له الشاشي: ما أجود ما قد حفظت أسماء المسائل.
قال المصنف رحمه اللَّه: و كان أبو الحسن ابن الدامغانيّ قصر أيضا في حق أبي الوفاء ابن عقيل، فكتب ابن عقيل إليه ما قرأته بخطه: «مكاتبة سنح بها الخاطر لتوصل إلى أبي الحسن الدامغانيّ قاضي القضاة يتضمن تنبيها له على خلال قد سوّلت له نفسه استعمالها، فهدت من مجد منصبه ما لا يتلافاه على طول الوقت في مستقبل عمره، لما خمره في نفوس العقلاء من ضعف رأيه و سوء خلقه الّذي لم يوفق لعلاجه [١]، و كان مستعملا نعمة اللَّه تعالى في مداواة نقائصه. و من عذيري ممن نشأ في ظل والد مشفق عليه قد حلب الدهر شطريه و أتلف في طلب العلم أطيبيه، أجمع أهل عصره على كمال عقله كما اجتمع العلماء على غزارة علمه، اتفق تقدمه في نصبه القضاء بالدولة التركمانية و التركية المعظمة لمذهبه، و في عصره من هو أفضل منه بفنون من الفضل.
كأبي الطيب الطبري، و أخلق بالرياسة كالماوردي، و أبي إسحاق الفيروزآبادي، و ابن الصباغ، فقدمه الزمان على أمثاله، و من يربى عليه في الفضل و الأصل فكان أشكر الناس لنعمة اللَّه، فاصطنع من دونه من العلماء، و أكرم من فوقه من الفقهاء حتى أراه اللَّه في نفسه فوق ما تمناه من ربه، و غشاه من السعادة ما لم يخطر بباله، حيث رأى أبا الطيب الطبري نظير أستاده الصيمري بين يديه شاهدا، و له في مواكب الديوان مانعا،/ و تعجرف عليه أبو محمد التميمي فكان يتلافاه بجهده، و يأبى إلّا إكرامه و يغشاه في تهنئة ٧٢/ أ و تعزية، حتى عرض عليه القائم الوزارة فأبى تعديه رتبة القضاء، فلما ولى ولده سلك طريقة عجيبة خرج بها عن سمت أبيه، فقدم أولاد السوقة، و حرم أولاد العلماء حقوقهم، و قبل شهادة أرباب المهن، و انتصب قائما للفساق الذين شهد بفسقهم لباسهم الحرير و الذهب، و منع أن يحكم إلّا برأي أبي حنيفة و أبي يوسف و محمد، و صاح في مجلسه بأعلى صوته انه لم يبق في الأرض مجتهد، و هو لا يعلم ما تحت هذا الكلام من
[١] في الأصل: «لم يوفق لفلاحه».