أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٣ - استدلال بعض الأعاظم للتفصيل ونقده
الغليان مثلًا، أو بقاء نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره بنفسه.
وإن شئت قلت: حيث إنّ الفحص والسؤال عن المعصوم كان ممكناً في عصر الأخبار غالباً لا سيّما للرواة، ولم تمسّ الحاجة غالباً إلى جريان الاستصحاب فيمكن أن يقال حينئذٍ بإنصراف أخبار الاستصحاب عن الشبهات الحكميّة، ولذلك إعترف الشيخ الأعظم الأنصاري رحمه الله في مبحث الاحتياط أنّ الأخبار الدالّة على وجوب الاحتياط ناظرة إلى زمن الحضور، كما أنّه قد ورد في بعضها التعبير ب «إذا أصبتم بمثل هذا فعليكم الاحتياط حتّى تسألوا وتعلموا».
وكيف كان، لا أقل من الشكّ في اطلاق أخبار الاستصحاب أو عمومها بالنسبة إلى الشبهات الحكميّة، وهذا كافٍ في عدم جواز الاستدلال بها على العموم.
ويؤيّد ذلك أنّ مورد جميع الروايات خاصّ بالشبهات الموضوعيّة، كالسؤال عن إصابة النجاسة بالثوب ووقوع النوم وعدمه في روايات زرارة، وعن يوم الشكّ في شهر رمضان في خبر علي بن محمّد القاساني، وهكذا في رواية الشكّ في الركعات.
استدلال بعض الأعاظم للتفصيل ونقده:
ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر قدّس اللَّه سرّه استدلّ لعدم حجّية الاستصحاب في الشبهات الحكميّة بما حاصله: إنّ الاستصحاب في الأحكام الكلّية معارض بمثله دائماً.
وإليك ملخّص ما أفاده في توضيح ذلك في كلام طويل له في المقام:
إنّ للأحكام مرحلتين: مرحلة الإنشاء والجعل، ومرحلة الفعلية والمجعول، مثلًا الشارع ينشأ وجوب الحجّ على المستطيع مع عدم وجود مكلّف أو مستطيع، فهنا إنشاء الحكم على موضوعه وإن كانت الشرائط غير موجودة والموانع غير مفقودة، فإذا وجد الموضوع واجتمعت الشرائط وفقدت الموانع صار فعليّاً.
والاستصحابات الحكميّة معارضة دائماً بالاستصحاب العدمي في مرحلة الجعل والإنشاء، فالمرأة إذا طهرت من الدم ولم تغتسل جرى في حقّها استصحاب بقاء حرمة الوطي، ولكنّه معارض بعدم جعل الحرمة من أوّل الأمر فيما زاد على زمان الدم، فيتعارض الاستصحابان ويسقطان من الجانبين.