أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٨ - الأمر الخامس مباني الاجتهاد
على جملة من الأبحاث الشافية والأخبار الكافية تدلّ على ذلك وتؤيّد ما هنالك، إلّاأنّ الذي ظهر لي- بعد إعطاء التأمّل حقّه في المقام وإمعان النظر في كلام علمائنا الأعلام- هو إغماض النظر عن هذا الباب، وإرخاء الستر دونه والحجاب، وإن كان قد فتحه أقوام وأوسعوا فيه دائرة النقض والإبرام:
أمّا أوّلًا: فلاستلزامه القدح في علماء الطرفين والإزراء بفضلاء الجانبين، كما قد طعن به كلّ من علماء الطرفين على الآخر، بل ربّما إنجرّ إلى القدح في الدين، سيّما من الخصوم المعاندين، كما شنّع به عليهم الشيعة من إنقسام مذهبهم إلى المذاهب الأربعة، بل شنّع به كلّ منهم على الآخر أيضاً.
وأمّا ثانياً: فلأنّ ما ذكروه في وجوه الفرق بينهما جلّة بل كلّه عند التأمّل لا يثمر فرقاً في المقام ...- إلى أن قال-.
وأمّا ثالثاً: فلأنّ العصر الأوّل كان مملوءاً من المحدّثين والمجتهدين، مع أنّه لم يرتفع بينهم صيت هذا الخلاف، ولم يطعن أحد منهم على الآخر بالإتّصاف بهذه الأوصاف، وإن ناقش بعضهم بعضاً في جزئيات المسائل، واختلفوا في تطبيق تلك الدلائل، وحينئذٍ فالأولى والأليق بذوي الإيمان، والأحرى والأنسب في هذا الشأن هو أن يقال: أنّ عمل علماء الفرقة المحقّة والشريعة الحقّة- أيّدهم اللَّه تعالى بالنصر والتمكين ورفع درجاتهم في أعلى علّيين سلفاً وخلفاً- إنّما هو على مذهب أئمّتهم صلوات اللَّه عليهم وطريقهم الذي أوضحوه لديهم، فإنّ جلالة شأنهم وسطوع برهانهم ودرعهم وتقواهم المشهور بل المتواتر على مرّ الأيّام والدهور يمنعهم من الخروج عن تلك الجادّة القويمة والطريقة المستقيمة، ولكن ربّما حادّ بعضهم أخبارياً كان أو مجتهداً عن الطريق غفلة أو توهّماً أو لقصور إطّلاع أو قصور فهم أو نحو ذلك في بعض المسائل، فهو لا يوجب تشنيعاً ولا قدحاً، وجميع تلك المسائل- التي جعلوها مناط الفرق- من هذا القبيل، كما لا يخفى على من خاض بحار التحصيل، فإنّا نرى كلًا من المجتهدين والأخباريين يختلفون في آحاد المسائل، بل ربّما خالف أحدهم نفسه، مع أنّه لا يوجب تشنيعاً ولا قدحاً، وقد ذهب رئيس الأخباريين الصدوق (رحمه اللَّه تعالى) إلى مذاهب غريبة لم يوافقه عليها مجتهد ولا أخباري، مع أنّه لم يقدح ذلك في علمه وفضله، أو لم يرتفع صيت هذا الخلاف ولا وقوع هذا الإعتساف إلّامن زمن صاحب الفوائد المدنية سامحه اللَّه تعالى برحمته