أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٣ - الأمر الأوّل في الجاهل المقصر
وجوب طريقي (خلافاً لما ذهب إليه المحقّق الأردبيلي وصاحب المدارك صلى الله عليه و سلم من كونه وجوباً نفسياً استقلالياً) وعليه تكون مخالفته موجبة لاستحقاق العقاب على ترك الفحص والتعلّم المؤدّي إلى مخالفة الواقع، وذلك لأنّ وجوبه لأجل حفظ الواقع وطريقيّة التعلّم والفحص إلى إدراك الواقع كوجوب الاحتياط شرعاً في بعض الشبهات البدويّة (كما في باب الفروج والدماء بل الأموال) فالمطلوب بالذات هو الواقع، ومطلوبيّة الاحتياط إنّما هى لأجل الوصول إلى الواقع وحصوله.
إن قلت: إذا كان الأمر كذلك فوجوبه يكون وجوباً غيرياً مقدّمياً ومن قبيل المقدّمات المفوتة على القول بالواجب المعلّق، أو وجوباً عقلياً على القول بعدم إمكانه، فلا يكون العقاب إلّا على مخالفة الواقع لا على ترك التعلّم عند مخالفة الواقع.
قلنا: إنّ مناط وجوب التعلّم غير مناط وجوب حفظ القدرة أو تحصيلها في المقدّمات المفوتة، ولا يقاس أحدهما بالآخر، فإنّ القدرة ممّا يتوقّف عليها فعل المأمور به خارجاً ومن المقدّمات الوجوديّة له، ولا يتمكّن المكلّف من فعل الواجب عند تفويت القدرة، فيتحقّق عصيان خطاب ذي المقدّمة بمجرّد ترك هذه المقدّمات الوجودية، ويستحقّ التارك العقاب على تفويت الواجب من زمان ترك المقدّمة، إذ بتركها يفوت الواجب لا محالة، ويمتنع عليه بالاختيار ويصدق أنّه فات منه الواجب، وهذا بخلاف التعلّم والاحتياط، فإنّه لا يتوقّف فعل الواجبات وترك المحرّمات عليهما في الخارج، إذ ليس للعلم دخل في القدرة ليكون حاله حال المقدّمة المفوتة، وليس لهما دخل في الملاك أيضاً، فلا يكون لإيجاب التعلّم والاحتياط شائبة النفسيّة والاستقلاليّة، بل الغرض من إيجاب التعلّم مجرّد الوصول إلى الأحكام والعمل على طبقها، ومن إيجاب الاحتياط التحرّز عن مخالفة الواقع، من دون أن يكون للتعلّم والاحتياط جهة موجبة لحسنهما الذاتي المستتبع للخطاب المولوي النفسي، بل الخطاب المتعلّق بهما يكون لمحض الطريقيّة، ووجوبهما يكون للغير لا نفسياً ولا بالغير.
فإن قلت: الوجوب للغير لا ينافي الوجوب النفسي، فإنّ غالب الواجبات النفسيّة يكون وجوبها للغير بناءً على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد.
قلت: الغير الذي يجب الشيء لأجله يختلف، فتارةً يكون هو ملاكات الأحكام التي اقتضت وجوب الشيء، واخرى، يكون هو الخطابات الواقعية، ففي الأوّل لا يدور وجوب