أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٥ - نقد سائر الأقوال
وأمره سمرة بالاستئذان دخل سمرة باب اللجاج والتمرّد، وعلى القاضي إجراء حكمه، ولذلك أمر الأنصاري بعد ذلك بقلع النخلة حسماً لمادّة النزاع.
والحاصل: أنّ الرواية تنادي بأعلى صوتها بأنّها ناظرة إلى مسألة القضاء.
نعم لقائل أن يقول: إنّ صدرها وإن كان وارد في مقام القضاء، لكن ذيلها يدلّ على أنّ قلع النخلة من باب ولاية الحاكم والحكم السلطاني.
ولكنّا نقول: إنّ تعليله صلى الله عليه و آله بحكم كلّي إلهي في هذه الواقعة الخاصّة من أوضح الدليل على أنّ قاعدة لا ضرر حكم كلّي إلهي، وإن كان تطبيقها على ذاك المورد من باب ولاية الحاكم الإسلامي، فأمره بقلع الشجرة أمر سلطاني صدر منه صلى الله عليه و آله لأجل إجراء قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» الذي هو حكم كلّي إلهي.
الجهة الثالثة: أنّ لازم كونه حكماً سلطانياً إجرائياً إختصاصه بزمن النبي صلى الله عليه و آله وأنّه يجوز لغيره من الحكّام تغييره، ولا أظنّ التزامه قدّس سرّه الشريف به.
الجهة الرابعة: سلّمنا جميع ذلك، لكن لماذا تختصّ حكومة القاعدة بقاعدة السلطنة، ولا حكومة لها على سائر الأحكام الضررية، مع أنّها بحسب الظاهر كبرى كلّية، والمورد ليس مخصّصاً.
الجهة الخامسة: من العجب أنّه قدس سره إكتفى في المسألة بقضية سمرة وما تقتضيه ولم يشر إلى سائر المدارك الموجودة فيها، فإنّه قد مرّ في المقام الأوّل أنّ دليل القاعدة ليس منحصراً بقضيّة سمرة، بل هناك روايات عديدة من طرق الفريقين ظاهرة في خلاف هذا القول، وآيات مختلفة وردت في موارد خاصّة ضررية، ولا إشكال في أنّ ما يستفاد منها حكم إلهي أوحاه اللَّه تعالى إلى نبيّه صلى الله عليه و آله، والنبي إنّما هو مبيّنه ومبلّغه.
إلى هنا تمّ الكلام في تفسير القاعدة والأقوال الواردة فيها، وظهر أنّ المختار فيها:
١- أنّ «لا» نافية، ولكنّها كناية عن النهي.
٢- أنّ الفاعل في الضرر هم المكلّفون لا اللَّه سبحانه.
٣- أنّها تعمّ الأحكام التكليفيّة والوضعيّة.
٤- أنّها تختصّ بحقوق الناس، ولا تشمل حقوق اللَّه تعالى مثل العبادات الضرريّة وغيرها.