أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٣ - الفصل الأوّل في مقتضى الأصل الأوّلي في المتعارضين
فهو ما مرّ في كلام المحقّق الأصفهاني رحمه الله من أنّ الصفات الحقيقيّة والاعتباريّة لا تعرض إلّا للوجود الخارجي، ولا وجود لعنوان أحدهما لا بعينه في الخارج فلا يتعلّق به وصف الحجّية بل هو أمر إنتزاعي ذهني.
وإن شئت قلت: الغرض من جعل شيء حجّة إنّما هو بعث المكلّف إليه وانبعاثه عنه في مقام العمل، ولا إشكال في عدم إمكان البعث إلى عنوان أحدهما لا بعينه، لعدم إمكان انبعاث المكلّف عنه عملًا، نعم يمكن الانبعاث إلى كليهما تخييراً ولكن لا ربط له بما نحن فيه.
وأمّا الثاني: فهو أنّه لا دليل على حجّية أحدهما لا بعينه في مقام الانبعاث، إذ إنّ أدلّة حجّية الأمارات كمفهوم آية النبأ لا تعمّ أحد العدلين (مثلًا) لا بعينه. وبعبارة اخرى: ليس عنوان أحدهما لا بعينه مصداقاً من مصاديق خبر العادل في مفهوم الآية (إن جاءكم عادل فلا تبيّنوا).
الوجه الثاني: ما استدلّ به بعض الأعلام، وهو أنّ الخبرين المتعارضين يشتركان في نفي الثالث بالدلالة الالتزاميّة فيكونان معاً حجّة في عدم الثالث، وتوهّم أنّ الدلالة الالتزاميّة فرع الدلالة المطابقيّة وبعد سقوط المتعارضين في المدلول المطابقي لا مجال لبقاء الدلالة الالتزاميّة لهما في نفي الثالث- فاسد فإنّ الدلالة الالتزاميّة إنّما تكون فرع الدلالة المطابقية في الوجود لا في الحجّية» [١].
ولكن يرد عليه:
أوّلًا: أنّ هذا صحيح في مقام الثبوت لا في مقام الإثبات لأنّ أدلّة الحجّية في مقام الإثبات إنّما تعمّ الدلالة الالتزاميّة بتبع الدلالة المطابقيّة ومن طريقها وفي طولها لا في عرضها، وبعد فرض عدم شمولها للمدلول المطابقي لا يبقى مجال لحجّية المدلول الالتزامي، وبعبارة اخرى: أدلّة حجّية الأمارات لا تشمل شيئاً من المتعارضين من أوّل الأمر للزوم التناقض، فلا يبقى مورد للدلالة الالتزاميّة كما لا يبقى مورد للدلالة المطابقيّة.
وثانياً: أنّه مخالف للسيرة العقلائيّة والإرتكازات العرفيّة، فإنّها قائمة على سقوط الدلالة الالتزاميّة بتبع الدلالة المطابقيّة، فإذا أخبر ثقة بقدوم زيد يوم الجمعة وأخبر ثقة آخر بقدومه
[١] فوائد الاصول: ج ٤، ص ٧٥٥ و ٧٥٦، طبعة جماعة المدرّسين.