أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٩ - الأمر الخامس مباني الاجتهاد
المرضيّة، فإنّه قد جرّد لسان التشنيع على الأصحاب وأسهب في ذلك أي إسهاب، وأكثر من التعصّبات التي لا تليق بمثله من العلماء الأطياب، وهو وإن أصاب الصواب في جملة من المسائل التي ذكرها في ذلك الكتاب، إلّاأنّها لا تخرج عمّا ذكرنا من سائر الاختلافات ودخولها فيما ذكرنا من التوجيهات، وكان الأنسب بمثله حملهم على محامل السداد والرشاد، إن لم يجد ما يدفع به عن كلامهم الفساد، فإنّهم رضوان اللَّه عليهم لم يألوا جهداً في إقامة الدين وإحياء سنّة سيّد المرسلين صلى الله عليه و آله، ولا سيّما آية اللَّه العلّامة رحمه الله الذي قد أكثر من الطعن عليه والملامة، فإنّه بما ألزم به علماء الخصوم والمخالفين من الحجج القاطعة والبراهين حتّى آمن بسببه الجمّ الغفير، ودخل في هذا الدين الكبير والصغير والشريف والحقير، وصنّف من الكتب المشتملة على غوامض التحقيقات ودقائق التدقيقات، حتّى أنّ من تأخّر عنه لم يلتقط إلّامن درر نثاره، ولم يغترف إلّامن زاخر بحاره، قد صار له من اليد العليا عليه وعلى غيره من علماء الفرقة الناجية ما يستحقّ به الثناء الجميل ومزيد التعظيم والتبجيل لا الذمّ والنسبة إلى تخريب الدين، كما اجترأ به قلمه عليه رحمه الله وعلى غيره من المجتهدين» [١] (انتهى).
وأمّا علم الفقه نفسه، أي ممارسة الفقه فقد يتوهّم أنّه لا معنى لكونه من مباني الاجتهاد من باب أنّه يكون غاية لغيره وذا المقدّمة بالنسبة إلى سائره، ولكن قد مرّ كراراً أنّ ملكة الاجتهاد لا تتحقّق إلّابالتمرين والممارسة في الفقه كما في غالب العلوم، وهى تحصل أوّلًا: بتطبيق الاصول على الفروع، وثانياً: بردّ الفروع إلى الاصول، فإذا سئل عنه مثلًا عن رجل صلّى الظهرين وهو يعلم إجمالًا بأنّه كان في أحدهما فاقداً للطهارة، فليعلم أنّه هل يجب عليه الاحتياط فيكون المورد من موارد تطبيق قاعدة الاحتياط، أو أنّه من موارد تطبيق قاعدة ٦٥٦٥ الفراغ؟ وأنّه هل يكون الترتيب بين الظهر والعصر ترتيباً واقعيّاً، أو لا؟ فيكفي إتيان صلاة رباعية بقصد ما في الذمّة، أو سئل عمن صار مستطيعاً وقد استُؤجر سابقاً لمناسك الحجّ فهل يبطل عقد الإجارة أو لا؟ من باب عدم كونه مستطيعاً شرعاً والممنوع شرعاً كالممنوع عقلًا، وهكذا ... إلى سائر الفروعات والمسائل.
وأمّا علم المنطق، فقد يقع الشكّ في الحاجة إليه، لأنّ المقدار اللازم منه أمر فطري لكلّ
[١] الحدائق الناضرة: ج ١ ص ١٦٧- ١٧٠.