أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨١ - أخبار التخيير
التسليم وسعك» حيث إنّه يستشمّ منه أنّ نفس التسليم في مقابل الأئمّة وسلوك الطريق الذي فتحوه أمامنا يكون ذا مصلحة.
ولكن هذا التعبير ورد في ثلاث روايات:
إحديها: مكاتبة محمّد بن عبداللَّه بن جعفر الحميري.
وثانيها: ما رواه أحمد بن الحسن الميثمي عن الرضا عليه السلام.
وثالثها: مرسلة الكليني، وقد مرّ أنّ الأوّليين واردتان في المستحبّات وهى خارجة عن محلّ الكلام، والثالثة مرسلة.
هذا- مضافاً إلى ما ورد في صدر بعضها (وهو رواية الميثمي) من لزوم أعمال المرجّحات أوّلًا: حيث إنّ أعمال المرجّح بين الخبرين إنّما يتصوّر فيما إذا كان خصوص أحدهما طريقاً إلى الواقع وأردنا تعيينه من بينهما بالمرجّح، وإلّا إذا كان لسلوك كلّ منها مصلحة فلا حاجة إلى ترجيح أحدهما على الآخر والأخذ بخصوصه، فإذا كان الصدر كذلك يحمل عليه الذيل أيضاً، بل الإنصاف أنّ قوله «من باب التسليم» ليس له ظهور في السببيّة وإن كان له دلالة عليها، فهى في حدّ الإشعار، فلا تكون دليلًا على شيء.
ووجه الاحتمال الثالث: إنّا نعلم بصدور أحد الخبرين وصدقه، ولا إشكال في أنّ مقتضى القاعدة في موارد دوران الأمر بين المحذورين مع العلم بصدق أحدهما هو التخيير.
وفيه: أنّه مبنى على حصول العلم بصدور أحدهما، وأنّى لنا بإثباته؟
بل المفروض العلم بكذب أحدهما فقط، وأمّا الآخر فهو دليل ظنّي في نفسه يحتمل الكذب أيضاً، وقد عرفت أنّ أدلّة الحجّية لا تشمل شيئاً منهما بعد فرض التعارض.
الأمر الثاني: في أنّ التخيير في المقام واقعي أو ظاهري؟
فإن كان واقعياً كان نظير التخيير بين خصال الكفّارات والتخيير بين الحمد والتسبيحات الأربعة في الركعتين الأخيرتين، وإن كان ظاهرياً كان نظير التخيير بين الوجوب والحرمة عند دوران الأمر بين المحذورين في الحكم الظاهري.
والصحيح في ما نحن فيه هو الثاني، لأنّ المختار فيه هو مبنى الطريقيّة والعلم بكذب أحد الخبرين لأنّ المصلحة حينئذٍ لو كانت فإنّما هى في واحد منهما، فلا يتصوّر حينئذٍ التخيير الواقعي لأنّه إنّما يتصوّر فيما إذا وجدت المصلحة في كلّ من الأطراف.